Friday, July 16, 2010

فلسفة التربية من السنة النبوية

الفصل الأول
مقدمة البحث
مقدمة

الحمد لله الذي مهد قواعد الدين بكتابه المنزل، وجعلنا من عباده المؤمنين باتباع نبيه المرسل. الذي أظهر به الحق بعد أن كان خفيا، واختاره علي كافة خلقه، وكان به حفيا.
وأشهد أن لا إله إلا لله، وحده لا شريك له، شهادة تبوىء قائلها أعلي المقامات، وتحله من دار كرامته أعلي الغرف في الجنات.
وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، سيد السادات. صلي الله عليه وعلي آله وصحبه، اولي المناقب السنية والكرامات. أما بعد :
ما كان الإسلام الذي خاطب الناس بالعقل أن يعتمد في دعوته إلي طاعة الرسول علي مجرد النصوص، ولكن الرسول صلي الله عليه وسلام قدم لنا نحن المربين من خلال حياته العملية، ومن خلال أحاديثه، العديد من اللمحات والنظرات والمواقف مايشكل في جملته معينا رائعا، نستطيع أن نغترف منه الكثير في عالم التربية والتعليم، ما دام القرآن الكريم –كما نؤكد دائما- هو الدستور الأساسي، وما دام هذا الدستور الأساسي بحاجة إلي قوانين تفصل ما جاء فيه مجملا، وتحدد مسارات العمل بمقتضاه، وتشير لكل مجال ما يجب عليه وفقا لذلك.
كذلك فإننا كثيرا ما نشير إلي أن العمل التربوي، علي وجه العموم، إذا كان من الضروري أن يهتدي بفكر، قد نسميه عقيدة أو فلسفة أو إيدولوجيا أو نظرية، أيا ماكانت التفرقة واختلاف المستوى، فإن هذه القوة الموجهة تحتاج إلي خطوة، بل إلي حطوات الأخري تتمثل في سياسة التعليمية واستراتيجية تربوية، ومن هنا فإن السنة النبوية هي بمثابة السياسة التربوية، وفي كثير من الأحيان كذلك الإستراتيجية التربوية لفلسفة القرآن التربوية.
وإذا كان الرسول جميعا في شخصياتهم قدموا المثل الأعلي أو الشخصية الكاملة لقومهم، إلا أن رسول الله محمد صلي الله عليه وسلم يمتاز عن غيره من الرسل بميزة اجتماعية عملية تطبيقية، ذلك أن الرسل الآخرين، وهم حقا المثل العليا في حياتهم، قد أهمل أتباعهم تسجيل حياتهم الفاضلة تسجيلا ثابتا وصادقا وشاملا، والسباب في ذلك التسجيل لم يكن مباشرا، وإنما تم بعد أجيال وقرون مما أوجد مرويات، ولا سيما لدي اليهود الذين نسبوا لكثير من انبيائهم أعمالا وخلقا لا تليق بإنسان عادي.

المشكلة ومسوغات البحث
1. ضعف كثير من الناس في تطبيق العملي بالسنة النبوية
2. عدم التأثر بالسنة النبوية في السلوك العملي وطريقة التفكير
3. أعتقد أن من أهم أسباب تردي الأخلاق، وإنتشار الجرائم والغش وعدم إتقان العمل، والإهمال والتقصير في الواجب هو البعد عن السنة النبوية
4. إن ما تعانيه البشرية من بؤس وشقاء وجوع وتشرد وفقدان للأمن وتلوث للبيئة وتهديد بالفناء، يدل علي الحاجة إلي نوع من التربية تتلاءم مع طبيعة الإنسان، وتتفق مع الواقع المعقد الذي يحيط به، وتحفف من آلامه ومعاناته، وتساهم في ارتقاء مشاعره، وتجعله يحقق الغاية من وجوده، ويشعر بالطمأنينة والسعادة. ويري أن ذلك لا يتحقق إلا في الأخذ بفلسفة للتربية مستمدة من السنة النبوية.
5. ابتعاد كثير من المفكرين والباحثين عن السنة النبوية، وظنهم أن الأخذ به لا يتفق مع المنهج وطرق البحث والتفكير الموضوعية، مع أنه يتفق مع الحقائق العلمية و يحث علي الكشف عنها، ويبين خصائص النفس البشرية، ويشير إلي السنن الإلهية في الإنسان والحياة. ويجعله يظن وجود تعارض بين العلم والدين. ودراسة السنة وفلسفته في التربية تكشف عن النهج القويم والطريق المستقيم.

أهمية البحث
ومن أهمية البحث إلي ما للسنة من تأثير علي الأمة التي تهتدي بهدية وتربي أبناءها وفق تعاليمه، فيه تجتمع كلمتها ويرتفع شأنها وتقضي علي عوامل الفساد التي تعاني منها.
وهو يضع بين يدي المربين والمصلحين مبادىء تجعلهم يعملون علي هدي وبصيرة، مما يؤدي إلي تطوير النظرة للعملية التربوية، وتوجيه المجهودات وتنسيقها، وتحسين طرائق التدريس والتقويم والتوجيه، ورفع مستوي معالجة المشكلات التربوية، والسير خطواة لتحقيق الأهداف التربوية.
وفلسفة التربية هي الأساس في تحديد أهداف التعليم العامة والخاصة، ووضع المناهج، واختيار أساليب التدريس ورسم الخطط التربوية، وهي الأساس في التقويم التربوي، كما أنها تجعل للعمل التربوي سندا عقليا يكسبه الاحترام والتقدير، وتجعل لنظام التعليم طابعا خاصا وشخصية متميزة، وتربطه بالعوامل الروحية والثقافة والإجتماعية والاقتصادية والسياسية.
وتعد فلسفة التربية صحيحة فعالة إذا لم تقف عند الوسائل والأسالب التي يحتاجها العمل التربوي، بل تتعدي ذلك إلي تحديد الأهداف النهائية التي وجد الإنسان من أجلها في ضوء علاقاته مع الخالق والكون والحياة.

أهداف البحث
يهدف هذا البحث إلي بيان أن السنة النبوية يحدد أهداف التربية وغايتها ويشمل مجالاتها المتعددة، ويضع المباديء والمقاومات التي تعتمد عليها، ويشير إلي أساليبها وطرائقها المناسبة.
وهو محاولة لإثبات أن السنة يحتوي علي فلسفة تربوية قويمة تؤدي إلي الإصلاح الشامل للفرد والمجتمع، والتقدم المستمر لكل أمة تهتدي بهدية.
ويهدف أيضا إلي دفع المربين للاعتماد علي السنة في القيام بمفهمتهم الجليلة.

فروض البحث
1. التعريفات عن المعانى الفلسفة التربية بصفة عامة
2. مفهوم فلسفة التربية من السنة النبوية
3. بعض المفاهيم عن فلسفة التربية الإسلامية
4. فلسفة التربية الإسلامية وعلاقتها بالفلسفة العامة
5. قضايا ومبادئ تربوية
6. مفاهيم بعض الموضوعات فى أصول التربية
7. البنية التربوية للشخصية المحمدية وعلاقتها بالفكر التربوى

حدود البحث
يدور هذا البحث حول النصوص السنة النبوية التي تبين فضل السنة وأهميتها في المجال التربية، وتحدد هدفها ومقوماتها، وتشير إلي مجالها وأساليبها.
وقد ذكر بعض الوقائع والنصوص التربوية وآراء الفلاسفة وعلماء التربية في القديم والحديث للمقارنة واستكمال جوانب البحث.

منهج البحث
يسير هذا البحث علي الطريقة الوصفية في جمع الأحاديث المتعلقة بها، وأقوال علماء التربية والوقائع والمعلومات الموضوعية في نواحيه المتعددة. ويسير علي الطريقة الاستنباطية في تحليل الأحاديث وسائر النصوص التربوية.

أدوات البحث
1. المراجع والكتب المتعلقة بموضوع البحث
2. المذكرة من محاضرات فى أصول التربية
3. القرآن الكريم
4. كتب السنة النبوية

التعريفات
 البحث
البحث سعي منظم في ميدان معين يهدف إلي اكتشاف الحقائق والمبادي، وعملية فكرية تقوم علي تقصي المعلومات المتوافرة عن موضوع معين، وترتيبها بصورة جديدة تجعلها أكثر وضوحا. وهذه العملية تعتمد علي منهجية محددة توصل إلي نتائج يمكن تعميمها.

 الفلسفة
وهي يونانية الأصل، معناها حب الحكمة. وتتعلق بالبحث عن المباديء الأساسية والكشف عن ماهية الأشياء وأصولها وغللها وعلاقة بعضها ببعض.
وتطلق علي البحث عن الحق والحقيقة، أو محاولة معرفة الموجودات علي ما هي عليه، وتبحث في الحقائق والمباديء المتصلة بطبيعة الكون والحياة والإنسان والخالق والقيم والإنسانية ومشكلة الوجود والمعرفة.

 التربية
للتربية معني النمو والزيادة والتغذية والتنشئة والرعاية.
وعرفت التربية بأنها تنمية الوظائف الجسمية والعقلية والخلقية كي تبلغ كمالها عن طريق التدريب والتثقيف، وأنها علم يبحث في أصول هذه التنمية ومناهجها وعواملها الأساسية وأهدافها الكبرى.
وعرفت أيض بأنها علم يرمي إلي مساعدة الطفل والمراهق والبالغ علي تكوين شخصيتهم وتنميتها.
وأنها عملية تنمية جوانب الشخصية الإنسانية في مستوي الحركة والمهارة.
هيكل البحث :
الفصل الأول : مقدمة البحث
الفصل الثاني : التعريفات والمفهوم الفلسفة التربية
المبحث الأول : التعريفات
المطلب الأول : الفلسفة
المطلب الثاني : التربية
المطلب الثالث : السنة النبوية
المبحث الثاني : مفهوم الفلسفة التربية من السنة النبوية
الفصل الثالث : فلسفه التربية الإسلامية
المبحث الأول : مكانة فلسفة التربية في العملية التربوية
المبحث الثاني : بناء فلسفة إسلامية لتربياتنا وتعليمنا
المبحث الثالث : فلسفة التربية الإسلامية وعلاقتها بالفلسفة العامة
الفصل الرابع : الفكر التربوى من السنة النبوية
المبحث الأول : أصول التربية في السنة النبوية
المطلب الأول : العدل و التوازن
المطلب الثاني : القابلية والإعداد للتربية
المطلب الثالث : التدرج في التربية
المطلب الرابع : مراعاة المخاطبين
المطلب الخامس : الأخوة الإسلامية
المبحث الثاني : البنية التربوية للشخصية المحمدية وعلاقتها بالفكر التربوى
المطلب الأول : القيادة المحمدية وفاعليتها
المطلب الثاني : تكوين الرجال
المطلب الثالث : تكوين الأمة وتأسيس الدولة
المطلب الرابع : البناء الأسري
الفصل الخامس : خلاصة البحث

 نتائج البحث
 المقترحات و التوصيات
 المصادر والمراجع


الفصل الثانى
التعريفات والمفهوم الفلسفة التربية

المبحث الأول : التعريفات
المطلب الأول
معنى الفلسفة
الفلسفة كلمة يونانية ، معناها الاشتقاقى : حب الحكمة.
وقد زعم هيرقليدسالبطنى ، وأيده شيشرون وذيوجانس اللأرسى ، أن فيثاغورس أطلق كلمة : محبى الحكمة ، على أولئك الذين اقتصروا على دراسة طبيعة الاشياء ، وتركوا ما عدا ذلك من ألوان المعرفة. ولما شعروا بقصورهم وحدود معرفتهم لم يدعوا لأنفسهم إسم الحكماء ولا أطلقوا على معرفتهم إسم الحكمة. وإنما هم سعوا إليها ، وحاولوا قدر الطاقة بلوغها. وقبل فيثاغورس كان إسم الحكماء يطلق على الذين يهتمون بمعرفة الأشياء الآلهية والإنسانية وأسبابها.
ولكن يرى البعض أن نسبه وضع هذه الكلمة إلى فيثاغورس أمر مشكوك فيه، لما طبع عليه من إدعاء لا يتفق معه أن يتواضع فيسمى نفسه محبا للحكمة ، لا حكيما. ولهذا يرجح هؤلاء أن يكون سقراط أول من استعمالها. وأفلاطون يستعملها ليميز حب الحكمة عند سقراط من إدعاء الحكمة عند السوفسطائيين.
وعلى كل الحال فقد وردت مرارا على لسان سقراط، فى محاورات أفلاطون ولكن بمعنى أخلاقى ، أى محبة الحكمة الخلقية. ثم جاء أفلاطون فتسرع فى معناها، وجاء تلميذه أكسينوقراط فقسم الفلسفة إلى ثلاثة أقسام : ( )
أ‌) نظرية المعرفة (المنطق)
ب‌) الفلسفة الطبيعية (الفيزياء)
ت‌) الأخلاق
وبهذا التقسيم الثلاثى أحذ زينون، مؤسس الرواقية ، وكان معاصرا لاكسينوقراط ، ثم الرواقيون بعامة.
لقد جمع أفلاطون فى تعرريفه للفلسفة بين الحكمة الأخلاقية التى تقوم فى الارتفاع فوق أعراض الحياة ومصالح الافراد ، وبين دراسة العالم والمبادىء التى يقوم عليها ، ودراسة النفس الإنسانية من حيث المعرفة والسلوك.
وكان يميز بين الفلسفة وبين الرياضيات ، وبين الفلسفة والتاريخ.
و الفلسفة كلمة يونانية قديمة نقابلها فى الإسلام الحكمة وتعنى الحكمة من خلف الإنسان ومكانته فى الكون والنظرة العامة لتربية.
اتفق علماء التربية حول ضرورة وجود فلسفة عامة تقف عليها التربية تتمثل فى النقاط :
- النظرة العامة إلى الإنسان ومكانته من الحياة ودوره فيها.
- المعرفة طبيعتها ودورها فى حياة الإنسان ومصدرها وطريقة الإستفادة منها فى الحياة.
- الكون خلقه وطبيعته ومكانته من الإنسان ودور الإنسان فيه.
- الأهداف التربوية التى يعد الإنسان بناء عليها والجوانب التى تشملها هذه الأهداف.
أن مفهوم الفلسفة يختلف حوله الفلاسفة ، ورغم هذا فالملاحظ أن (أشيع التعريفات عندهم قد تأثرت بنظرة القدماء إلى الفلاسفة ، فاتجحت إلى البحث عن حقيقة الأشياء وطبيعة الموجودات وانصرفت إلى البحث عن المبادىء الأولى والعلل البعيدة) ( ) . وقد استفاض البحث فى معنى هذه الكلمة منذ آماد طويلة بين المتصلين بالمباحث النظرية ( ) . ويرتد لفظ الفلسفة إلى اللفظ اليونانى (فيلاسوفيا، ومعناه ايثار الحكمة ، ويصل للبعض إلى) ادخال الكيمياء والفلك زالطب فى الفلسفة كاجزاء لها، وينتهى أمر التعليم إلى حده الأخير، فيقولون : أن الفلسفة هى (مجموعة المعلومات فى العصر من العصور). ويميل البعض إلى تعريفها بأنها (المحاولات التى يبذلها الإنسان عن الطريق العقل وطريق التصفية ليصل إلى معرفة الله). ومعنى هذا أن الفلسفة هى نماء الفكر الناضج ، فى سبيل الوصول للحقائق.
أن الفلسفة ترتبط بمختلف العلوم ، وارتباطها الأساسى بالإنسانيات والعلوم الاجتماعية لأنها ترتبط بالإنسان أكثر، وبحياته ومشكلاته ، وإذا كان الفيلسوف فى وقت من الأوقات قد اتسم بأنه هو ذلك الشخص الذى يجلس فى برج عاجى ، ويفكر ويتأمل ليتفلسف فإن الأمر يختلف اليوم عما كان عليه قبل ذلك ، فأصبح الفيلسوف أكثر التصاقا بالأرض وبمشكلات الحياة وبمشكلات المجتمع ، لأن الفلسفة جزء من الثقافة يتفاعل مع سائر أجزاء الثقافة ، فإنها قوة تتأثر وتؤثر بدرجات متفاوتة فى غيرها من القوى الأخرى الاقتصادية والسياسية والدينية والعلمية، وهى ليست مجرد تسجيل فكرى أو تصوير فوتوغرافى للظروف الثقافية والمشكلات الاجتماعية ، والقلاقل والهزات التى يتعرض لها المجتمع ، فهى تعكس هذه الأوضاع من زواية معينة من زواية مجموعة من القيام ، تمثل اتجاهات ومصالح معينة. فالفلسفة تابعة من الحياة (لم تقطع صلتها يوما بالحياة) ( ) العلاقة وثيقة بين الفلسفة والوجود البشرى لأن الإنسان هو (الحيوان الذى يشعر بأن وجوده أحجية تتحداه ، وتناوشه وتقض مضجعه وتقلق باله ولا تفتأ تدعوه إلى أماطة اللثام عن سرها) والإنسان هو المخلوق الوحيد الذى يتفلسف، (لأنه الحيوان الوحيد الذى يعانى القلق والجزع والهم والانشغال والسأم والخوف من الموت).
والفلسفة تقوم أولا : بالعملية النقدية ، بمعنى أنه إذا كان العالم يجرب ثم يقدم نتائج تجربته للمجتمع ، ومنهم الفلاسفة ، فإن الفيلسوف يقوم بنقد المملمات التى قام عليها التجريب، ويوجه الانتباه إلى مافيها من قوة والضعف ، بناء على ما لديه من الأطار العام للفلسفة. وإلى جانب هذا فإنها تقوم بفحص وتوضيح العلاقات المختلفة التى توجد بين العلوم بعضها البعض من ناحية ، وبين العلوم وغيرها من ميادين انخبرة البشرية من ناحية أخرى ، بمعنى أنها تقوم بالربط بين الجزء والكل ، فى النفس الإطار الفلسفى العام ، ثم هى تقوم بدور آخر هو الدور التأملى الذى يرتبط ارتباطا وثيقا بالخبرة ، بحيث يمكنه أن يتصور بناء جديدا لحذه الخبرة فى أحسن صورة لها ، فدور الفلسفة ووظيفتها نقدية تحليلية تأملية) ( ) .
فالفلسفة إذن هى مجموعة الأفكار المترابطة فى صورة مذاهب فكرية ، (تتسق فى بحثها عن الحقيقة الكونية ، وظواهرها الطبيعية والبشرية) ، وقد تعرف بأنها (وجهة نظر شخصية موحدة، تقوم بتوجيه سلوك الفرد وتفكيره ، وذلك أن تصوراته الفكرية حين تترابط وتتسق مع بعضها مكونة مذهبه الفلسفى ، فإن مذهبه هذا يوجه سلوكه وتصرفاته ، ويبنى عليه أحكامه ، أى أن ما عرفه من معلومات ومعارف وخبرات مختلفة يكون أساسا ومنطلقا فلسفيا يتعرف فيه على حياته ، ويترجم به مظاهرها لنفسه ويتكيف على أساسه مع ما تفرضه عليه الحياة من مستريات) ( ) . وكلا التعريفين مطلوب، لأن الإنسان تحدده مجموعة من الأحكام والمعاير والقيام التى تحكم تصوراته ، وذلك نابع من الأفكار المختلفة التى تترابط فى نسق فكرى ، وبالتالى تضبط سلوكه فى ضوء ظروف المجتمع الذى ينشأ فيه ، والتغيرات الحادثة فيه.

الفلسفة عند علماء المسلمين :
شغل علماء المسلمين بالبحث فى العلوم والمعارف وأنواعها وتصنيفتها والمفاضلة بينها.
- ويقول ابن خلدون : ومن الغريب الواقع أن حملة العلم فى الملة الإسلامية أكثرهم من العجم لا من العلوم الشرعية ولا من العلوم العقلية الا فى القليل النادر. وان كان منهم العربى فى نسبته فهو عجمى فى لغته ومرباه ومشيخته مع أن الملة عربية وصاحب شريعتها عربى.
والسبب فى ذلك أن الملة أولها لم يكن فيها علم ولا صناعة لمقتضى أحوال السذاجة والبداوة والقوم يومئذ عرب لم يعرفوا أمر التعليم والتأليف والتدوين. وقد فاضل علماء المسلمين بين العلوم شريفها ووضيعها ومحمودها ومذموها. وكانت الفلسفة أكثر العلوم موضعا للجدل. فقد نظر إليها الغزالى على أن كثيرها مذموم لما تؤدى إليه من الشك والإلحاد. وإعتبارها ابن خلدون صناعة عاطلة.
وقد ورد عن الجاحظ أنه مدح الفلسفة وذمها فيما مدحه وذمه من العلوم معربا عن قدرته على الكلام وبعد شأوه فى البلاغة قال مادحا الفلسفة : إنها أداة الضمائر وآلة الخواطر ونتائج العقل وآداة لمعرفة الأجناس والعناصر وعلم الأعراض والجواهر وعلل الأشخاص والصور وإختلاف الأخلاق والطبائع والسجايا والغرائز.
- وقال فى ذم الفلسفة :إنها كلام مترجم وعلم مترجم بعيد مداه قليل جدواه مخوف على صاحبه سطوط الملك وعداوة العامة.
ومن المعروف أن الجاحظ كان من المعتزلة وهى احدى فرق الكلام الاسلامية التى تحتكم الى العقل فى منهجها الفلسفى. ( )
ومن ناحية أخرى نجد أن علماء المسلمين أعجبوا بعلوم اليونان بما فيها الفلسفة وأقبلو على دراستها. بل ولقبوا أرسطو أحد مشاهيرها بالمعلم الأول وابن الهيثم الذى عاش فى القرن الخامس لهجرى درس العلوم المختلف من طب وفلسفة ورياضيات والهيات وقد كتب يقول موضحا سر اهتمامه بهذه العلوم ومعلنا اعجابه بأرسطو.
- الشهرزورى أحد علماء القر الثالث عشر يذكر فى فتواه فيمن يشتغل بالمنطق والفلسفة تعلما وتعليما قوله :
الفلسفة أس السفة والإنحلال ومادة الحيرة والضلال ومثار الزيغ والزندقة ومن تلبس بها تعليما وتعلما قارنه الخزلان والحرمان واستحوذ عليه الشيطان وأما المنطق فهو مدخل الفلسفة ومدخل الشر شر وليس الاشتغال بتعليمه وتعلمه من إباحة الشارع ولا إستجابة أحد من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين والسلف الصالحين ومن زعم أنه يشتغل مع نفسه بالمنطق والفلسفة لفائدة يزعمها فقد خدعه الشيطان ومكر به. فالواجب على السلطان أن يدفع المسلمين شر هاؤلاء المشائيم ويخرجهم عن المدارس ويبعدهم ويعاقب على الاشتغال بينهم. ( )

التصور الإسلامى للفلسفة :
نري أن الفلسفة فى الإسلام تفسح المجال للتأمل فى الإنسان والكون والحياة، وتتفاعل مع الواقع بكل أدوات البحث والتجريب والتعليل ، من أجل الوصول إلى نظريات وتصورات وقوانين. إلا أن واجب الفيلسوف المسلم يملى عليه الانطلاق من القرآن الكريم فى وضع تصوراته عن الكون والإنسان والحياة وعندما يقوم الفيلسوف المسلم بذلك ، فإن يواجه تصورات الآخرين عن هذه القضايا فى المجتمعات الأخرى الغير الإسلامية ، وعليه أن يقف منها موقف المحلل الناقد الموضح الذى يستخلص من تجارب الآخرين أفضل ثمارها ، ولا يستنكف عن الأقتباس المدروس منها ، فالحقيقة ضالة المؤمن ، الا أنه مطالب بمكافحة ما تنطوى عليه من انحرافات وأخطاء ، وتوضيحها والتحذير من الوقوع تحت تأثيرها.
والنتيجة التى يصل إليها المسلم من الفلسفة هى الحكمة وقد عدد صاحب البحر الحيط تسعة وعشرين رأيا فى الحكمة منها : الإصابة فى القول والعمل، ومنها الفهم، ومنها الكتابة ، ومنها إصلاح الدين واصلاح الدنيا ( ) .
وقد وردت معانى كثيرة للحكمة فالقرآن الكريم كما يلى : الحكمة بمعنى العبرة، الحكمة بمعنى الإتقان ، الحكمة بمعنى الحلول الملائمة ، الحكمة بمعنى القدرة على التمييز بين الحطا والصواب ، والنافع والضار، الحكمة بمعنى الفهم والمعرفة، الحكمة بمعنى صواب الرأي وحسن النظر فى الأمور، الحكمة بمعنى حسن التقدير والأدارة والتصرف.
الحكمة إذا هى نفاذ البصيرة إلى سنن الحوادث ومجريات الأمور، وأتقان العمل والتصرف دون صدام مع قوانين الظواهر وفى ضوء ظروف العصر الذى تواكبه ( ) .
من الغرض السابق لتطور مفهوم الفلسفة نرى أنه محاولة دائبة بمختلف الوسائل والأسالب لتفهام طبيعة الكون والإنسان ، وطبيعة المعرفة والقيم. وقد سادها فى بعض الفترات الطابع العقلى التأملى العميق الذى يفحص الحقائق وتضمينتها. وفى فترات أخرى سادها التفقير العلمى الذي يعتمد الحث والتجربة ، ثم سادها الآن التفكير الرياضى واللغوى القائم على التحليل الراضي واللغوي.
واتسمت الفلسفة فى كل مرحلة بالنظرة الشمولية للمشاكل التى تبحثها آخذه فى الإعتبار جوانبها وأبعادها و علاقتها.
لذلك يمكن أن نقول إن أهم الموضوع للفلسفة هو وضع إطار أو طائفة من المفاهم التى يمكن بها أن نفسر خبرتنا فى سائر المجالات ( )
أما المنهج الذى تلتزمه الفلسفة فى كل أبحاثها فهو المنهج العقلى. والبراهن التى تسند إليها فى كل قضاياها وتقريراتها براهن عقلية دقيقة محكمة. ولا فرق فى هذا بين الفلسفة من ناحية ، وبين العلوم الرياضية والطبيعية من ناحية أخرى ، اللهم الا فى نصيب كل منها فى استخدام منهجى الاستدلال والاستقرار والتجريب : فإن الفلسفة اكثر إعتمادا على الاستدلال منها على الإستقراء والتجريب ، بينما الرياضيات استدلالية محض ، والعلوم الطبيعية تجمع بين القليل من الاستدلال وكثير من الاستقراء والملاحظة والتجريب ( ) .

المطلب الثاني
معنى التربية
المفهوم اللغوى :
مفهوم الربوبية : الهيمنة والسيطرة والتدبير. ومنه فعل (رب – يرب – ربا) بمعنى سيطرة ورعى. ومنه فعل (ربا – يربو) بمعنى الزيادة والإرتفاع. ومعنى الآحر: التعداد والتنشئة قوله رسول الله صلى الله عليه وسلم ((أرينى ربى فأحسن تربيتى)). وقد ورد أيضا فى القرآن الكريم هذا المعنى حيث يقول الله تعالى : وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ( ) أي نمت وزادت لما يتداخلها من الماء والنبات. ويقال ربى فى بنى فلان أى نشأ فيهم، وتقول رباه بمعنى نشأه ونمى قواه الجسدية والعقلية والخلقية ( ) .
و تعنى كلمة التربية لغة التنمية يقال رباه نماه وربى فلانا ، غذاه ونشأه ، وربى نمى قواه الجسدية والعقلية والخلقية ، ويقال ربى الفاكهة وتربى تنشأ وتغذى وتشقف( ).
مفاهم التربية التى أوردها القدمى المفكرين وعلماء المسلمين وتشمل معانى التنشئة والرعاية ومعانى التدرج لبلوغ الكمال ومعانى بلوغ الثمار المتمثل فى الخير والصلاح والحسنة والمعروف وغيرها مما يؤتى به المسلم الكامل. وقوله النبى صلى الله عليه وسلم عن الإحسان قال جبريل للنبى : (( فأخبرني عن الإحسان قال أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك )).
وأما من المفاهم التربية كما أوردها التربويون المحدثون وفيها تفاصيل للتربية تشمل فلسفة التربية والتربية العقدية والفنية والإجتماعية والخلقية والوجدانية وغير ذلك.
وإذا كان قد اختلف فى تعريف التربية إصتلاحا ، فإنه من الممكن أن نقول أن هذا الاختلاف نابع من اختلاف ثقافات المجتمعات. والاختلاف حول أهداف التربية ، حيث يختلف معنى التربية ومفهومها باختلاف ميادين الدراسة النفسية والأجتماعية والحضارية ، فى نظرتها للفرد والمجتمع ، فأحيانا تفهم التربية على أنها التعلم ، ولكنها تعنى فى الواقع ما هو أكثر من التعلم ، إنها الوصيلة التى يحدث من حلالها التغيير فى السلوك ، وأحيانا تفهم التربية على أنها نقل التراث، ولكن هذا المفهوم لا يعبر عن دورها الأساسى ، فدورها الفعال. يتمثل فى إثراء الخبرة كأساس لنمو نظم إجتماعية جديدة ، تتلاءم مع تغير النظم الثقافية ( ) ، التى يعيش بهاالمجتمع الذي هو عبارة عن حصيلة الثقافة التى مر بها ويعيش فيها ، ذلك أن السلوك الإنسانى فى أى الثقافة من الثقافات يمكن فهمه على ضوء القيم والمثل والاتجاهات العامة التى تسود هذه الثقافة بالذات ، كما أن ضوابط محددة تحكم انفعالات الأفراد ( ) . وذلك يؤثر فى التربية والنظام التربوى لأى المجتمع ، إذ كل نظام تربوى يقوم على فلسفة عملية خاصة تتصل بالحياة اتصالا وثيقا ( ) ، ومن ثم يمكن أن نعرف التربية ، بأنها تلك العملية المقصودة أو غير المقصودة التى اصطنعها المجتمع لتنشئة الأجيال الجديدة ، وبطريقة تسمح بتنمية طاقاتهم وإمكانياتهم الى أقصى درجة ممكنة ضمن إطار ثقافى معين قوامه المناهج والاتجاهات والأفكار والنظام التى يحددها المجتمع الذى تنشأ فيه ، بما يجعله على وعى بوظائفهم فى هذا المجتمع ودور كل منهم فى خدمته ، ونمط الشخصية التى يختارها ، ثم نوع السلوك الذى يجب عليه أن يسلكه( ).
فالتربية إذن تعنى بتنمية الأفراد الإنسانية ، طبقا للفلسفة المجتمع الذى توجد فيه هذه التربية وهى إذن ليست سوى الحياة الكلية للمجتمع ، والأفراد الذين يعيشون فيه منظورا إليه من وجهة نظر معينة لا مكانيات النمو بالنسبة للأفراد. وأهداف التطور بالنسبة للمجتمع.
مفاهم العلماء التربية القدمى وفقا للمفهوم اللغوى العربى ما يلى :
- التربية هى إنشاء الشىء حالا فحالا إلى الحد التمام
- هى إبلاغ الذات إلى كمالها التى خلفت له
الإمام الغزالى يقول أن التربية هى الرعاية لكمال النبات وبلوغ ثمارة. ويوضح الإمام الغزالي هذا المفهوم يقول معنى التربية يشبه فعل الفلاح يخرج النباتات الأجنبيلة من بين الزرع ليحسن نباته ويكمل ثماره.

بعض المفاهم الغربية
- بستالوزي : التربية هى إعداد الإنسان للقيام بواجباته فى الحياة.
- ميلتون : التربية ما يساعد المرء على القيام بواجباته العامة والخاصة بمهارة بصورة مناسبة.
- جون ديوى : التربية عملية مستمرة لإعادة بناء الخبرة بهدف التوسيع والتعميق مضمونها الإجتماعية. التربية هى الحياة نفسها، وليست مجرد إعداد للحياة ، وأنها عملية نمو وعملية تعلم ، وعملية بناء وتجديد مستمرين للخبرة، وعملية اجتماعية.
- الدكتور سعيد اسماعيل : التربية الإسلامية هى التنمية الشاملة لجميع جوانب شخصية الفرد جسميا وعقليا واعتقاديا وروحيا وخلقيا واجتماعيا ونفسيا واراديا وجنسيا وجماليا. وذلك فى ضوء ما جاء به الإسلام حتى يكون هذا الفرد عابد الله وحده ، عبودية تحقق له الفوز بالدنيا والآخرة ، وتجعله لبنة خيرة فى بناء مجتمعة واسعاد البشرية.
يقصد بالتربية من هذه التعريفات إنها عملية تفاعل مستمر بين الإنسان والبيئة الاجتماعية التى يعيش فيها. فهى عملية استخراج إمكانات الفرد فى إطارها الاجتماعى ، وتكون اتجاهاته ، وتوحيد نموه وتنمية وعيه بالأهداف التى تسعى الجماعة إلى تحقيقها. أى أن التنشئة التربوية هنا تهدف إلى تشكيل أفراد من البشر فى مجتمع معين ، بحيث يكتسبون الاتجاهات والمعايير والأيديولوجيات التى تسود النظام الاجتماعى وتوجيحه.
إلا أن التربية اليوم لم تعد مجرد تعريف يطلقه مرب هنا أو هناك ، بل صارت قضية حيوية أساسية تشغل المجتمع البشرى على أوسع نطاق. حيث أصبحت الأداة الأساسية التى تلجأ إليها المجتمعات المعاصرة لبناء الإنسان الذى يستطيع أن يخوض معركة التغير والتطور والتنمية فيها.
من المعتمرات الدولية التى تطرقت لهذا الموضوع المؤتمر الذى عقد تحت رعاية اللجنة الدولية للتربية وكانت نتيجته تقريرا بعنوان تعلم لتكون وقد ورد فى هذا التقرير ما يلى : التربية هى العمل المنسق المقصود الهادف إلى نقل المعرفة ، وخلق القابليات ، وتكوين الإنسان ، والسعى به فى طريق الكمال ، من جميع الواحي وعلى مدى الحياة.
لقد أضاف هذا التعريف مفهوم التربية مدى الحياة ، فلم تعد التربية تقتصر على مرحلة معينة من مراحل نمو الإنسان ، بل أصبحت عملية مستمرة تستوعب حياة الإنسان من المهد إلى اللحد. وفى هذا عودة إلى المفهوم الإسلامى للتربية.
كما عولج المشكل التربوي على مستوى الأمة العربية عن طريق لجنة كلفت بوضع استراتيجية لتطوير التربية فى البلاد العربية وتوصلت إلى التعريف التالى :
التربية : عملية إنسانية سلوكية ، اجتماعية حضارية ، تتألف فى جوهرها من التعلم القائم أصلا على الجهود الذاتية للمتعلم ، المتجلية فى تشكيل سلوكه ، المؤدية إلى تطوير شخصيته ، وبالتالى مساهمته فى تقدم مجتمعته ، وتمكينه من المساهمة فى بناء الحضارة الإنسانية. وبهذه الصورة فهى عملية سلوكية واجتماعية ، غايتها القصوى خير الإنسان وخير المجتمع وخير الإنسانية جمعاء.
ركز هذا التعريف على الجهود الذاتية للمتعلم ، وهو بذلك ينتقل بالتربية من مفهومها السائد كعملية تدريس وتحفيظ وتسميع إلى بيئة تعلم ، والتى تعنى التفاعل الحىى بين بيئة المتعلم الداخلية، وبيئة التعلم الخارجية بأبعلدها المختلفة.

التربية الإسلامية :
التربية الإسلامية فى عبارة يسيرة وكما ينبغى أن تكون عملية يؤخذ فيها الناشئون من أبناء الإسلام بألوان من الأنشطة الموجهة فى ظل الفكر والقيم والمثاليات والمبادى الإسلامية ، لتعديل سلوكهم وبناء شخصياتهم على النحو الذى يجعل منهم أفرادا صالحين نافعين لديهم وأنفسهم ووطنهم وأمتهم الإسلامية والبشارية كلها.
و هو جوهر المفهوم الذى عرفت به وعرفت طريقها أول ماعرفته ، وحين كانت مادة المحتوى فيها غير مصنفة ، والأنشطة غير محددة بأوقات ونظم معينة ، وكان روادها متفاوتين فى قدراتهم ومستوياتهم ، ومع ذلك ظهر أثرها فى تقويم السلوك وبناء الشخصيات كأقوى وأنصع ماصنعت تربية على وجه الإرض. كانت تنزل الآية أو الآيات فى تشريع ما ، فما تلبس أن تكتب بأيدى كتاب الوحى ، ثم ما تلبث أفكارها أن تشق طريقها على يده صلى الله عليه وسلم وأيدى أصحابه إلى الناس ، فإذا العقول قد وعتها وإذا القلوب قد انفعلت بها، وإذا هى تمضى إلى التنفيذ والتطبيق السريع الصحيح.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد من الطاعة والمبادى ، بل سرعان ما يصبح المتعلم معلما ينقل المعرفة إلى غيره فى سرعة خاطفة خارقة ، فيبادر من انتقلت إليه بتبليغها وهكذا حتى تحتل مكانها فى حياة الأمة والشعار العام فى ذلك :
((رب مبلغ أوعى من سامع)) ( )
((فليبلغ الشاهد الغائب)) ( )
وبهذه الحركة البناءة النشيطة التى اقترن فيها العلم بالعمل والنظرية بالتطبيق نجحت التربية الإسلامية فى أول عهدها نجاحا فذا فى تكوين الفرد وتعديل سلوكه وبناء شخصياته بناء محكمة مكتملا.
وقد استرعت هذه الظاهرة أنظار المربين والمفكرين ، حتى قيل : عن الدنيا لم تشهد ولن تشهد بعد حركو عالمية خيرة مصلحة ، غزيرة سريعة ، الفاعلية فى الحياة البشرية كتلك التى شهدتها غبان تحقق التربية الإسلامية أول مرة فى نفوس الجماعة المسلمة التى رباها الرسول صلى الله عليه وسلم بالمنهج الربانى الذى سجله القرآن الكريم ، وفصلته السنة ، وعرضته السيرة النبوية ( ) .
هكذا كانت التربية الإسلامية منذ اضطلعت برسالتها ، وهكذا فهمها التربويون الإسلاميون المعاصرون ، وعرفها أحدهم بأنها هى تلك المفاهم التى يرتبط بعضها ببعض فى إطار فكري واحد ، يستند إلى المبادى والقيم التى جاء بها الإسلام ، والتى ترسم عددا من الإجراءات والطراءق العملية ، يؤدى تنفيذها إلى أن يسلك سالكها سلوكا يتفق وعقيدة الإسلام ( ) .
وهذا هو المفهوم الذى ينبغى أن تعتنقه التربية الإسلامية فى معاهدنا ومدارسها ، والذى زحزحت عنه قليلا أو كثيرا فى عدد غير يسير من الدول الإسلامية تحت وطاة الاختلال الذى تعانيه مجتمعاتها ، وتعانى بعده عن الجداة الواضحة المستقيمة.

التربية بمفهومها الحديث :
فهى كما يحددها التربويون المعاصرون تلك العملية المقصودة أو غير المقصودة التى اصطنعها المجتمع لتنشئة الاجيال الجديدة ، وبطريقة تسمح بتنمية طاقتهم وإمكاناتهم إلى أقصى درجة ممكنة ، ضمن إطار ثقافى معين ، قوامه المناهج والإتجاهات والأفكار والنظام التى يحددها المجتمع الذى تنشا فيه بما يجعلهم على وعى بوظائفهم فى هذا المجتمع ، ودور كل منهم فى خدمته ، ونمط الشخصية التى يختارها ، ثم نوع السلوك الذى يجب عليه أن يسلكه.
أو هى بعبارة اخرى : تعنى أن يصبح الإنسان إنسانا ، فيه خصائص الكائن الإنسانى من التفكير والإدارة والوجدان. وهى تأخذ مكانها داخل الفرد ، وتمثل انعكاسا للنمو الاجتماعى ، وللثقافة التى يعيشها ، وهذا هو المفهوم الحديث للتربية بعامة ، ومن هذا المفهوم يمكن أن يقال : إنها تتميز بما يلى من خصائص : إنها عملية تعلم. إنها ترمى إلى إكساب سلوك او تعديله. أنها مسئولة إلى حد كبير عن تكوين شخصية عند الإنسان.

المطلب الثالث
معنى السنة
السنة فى اللغة تطلق على السيرة والطريقة ( )، حسنة كانت أم سيئة ومنه قوله صلى الله عليه وسل: (( من سن فى الإسلام سنة حسنة ، عمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شئ ، ومن سن سنة سيئة ، فعمل بها بعده، كتب له مثل وزر من عمل بها ، ولا ينقص من أوزارهم شئ ))( ).
قال فى لسان العرب : السنة السيرة حسنة كانت أو قبيحة. قال خالد بن عتبة ألهدلى ( ) :
فلا تجزعن من سيرة أنت سرتها
فأول راض سنة من يسيرها
وسننتها سنا واستننتها سرتها. وسننت لكم سنة فاتبعوها ، وفى الحديث (( من سن سنة حسنة )) الخ يريد عملها ليقتدى به فيها.
وكل من ابتدأ أمرا واقتدى به فيه من بعده قيل هو الذى سنه. قال نصيب :
كأنى سننت الحب أول عاشق
من الناس اذ أحببت من بينهم وحدى
وقد يراد بها حسن الرعايه ، والقيام على الشىء ، من قولهم : سننت الإبل ، إذا أحسنت رعايتها والقيام عليها.
ومذا تعنى السنة عند العلماء ؟ إذا بدأنا بالاستعمالات الأولى للسنة ، وجدنا أنهم يريدون بها عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وطريقته ، فقد روى البخارى فى صحيحه حديث ابن شهاب ، عن سالم بن عبد الله ، عن أبيه فى قصته مع الحجاج حين قال له : إن كنت تريد السنة فهجر بالصلاة ( ) . قال ابن شهاب : فقلت لسالم : أفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال : وهل يعنون بذلك إلا سنته؟! ويعلق السيوطى على هذا بقوله : فنقل سالم ، وهو أحد الفقهاء السبعة من أهل المدينة ، وأحد الحفاظ من التابعين عن الصحابة أنهم إذا أطلقو السنة لا يريدون بذلك إلا سنة النبى صلى الله عليه وسلم ( ) .
ومن هذا قول قلابة : عن أنس : من السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعا.
قال أبو قلابة : لو شئت لقلت : إن أنسا رفعه إلى النبى صلى الله عليه وسلم أى لو قلت لم أكذب ، لأن قوله : من السنة هذا معناه.
وأخرج الحاكم فى المستدرك عن زياد بن عبد الله النخعى قال : كنا جلوسا مع على رضى الله عنه فى المسجد الأعظم ، فجاء المؤذن، فقال : الصلاة يا أمير المؤمنين، فقال : اجلس ، فجلس ، ثم عاد ، فقال له ذلك ، فقال على : هذا الكلب يعلمنا السنة ؟!. فقام على فصلى بنا العصر، ثم انصرفنا ، فرجعنا إلى المكان الذى كنا فيه جلوس ا، فجثونا للركب ، لتزور الشمس للمغيب ، نتراءاها ( ) .
وقد أطلقها عمر رضى الله عنه وذطرها ابن عباس وعمرو بن العاص وعائشة رضوان الله عليهم ، وأرادوا بها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقط( ).
وقد تطلق السنة ويراد بها عمل الصحابة رضوان الله عليهم أو التابعين ، سواء كان ذلك مأخودا من الكتاب أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أم من اجتهادهم. وقد ساغ هذا. لأن عملهم اتباع لسنة ثنتت عندهم لم تنقل إلينا أو اجتهاد مجتماع عليه منهم أو من الخلفاء ( ) .
وقد اعتبر الإمام مالك والإمام أحمد رحمهما الله فتوى الصحابة رضوان الله عليهم من السنة ( ) .
وينقل السخروى أن السلف كانو يطلقون إسم السنة على طريقة أبى بكر وعمر رضوان الله عليهما، وكانو يأخذون البيعة على سنة العمرين ، وبين أن أصل هذا الإطلاق قوله عليع الصلاة والسلام : عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى، عضوا عليها بالنواجد ( )
وأطلاقات اختلاف العلماء فى قولهم : من السنة كذا. فقد يحمل هذا القول على سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وقد يكون مقصودا به من بعده من السلف الصالح رضوان الله عليهم ، وخاصة الصحابة.
على أنه ينبغى أن ننبه إلى أنه على الرغم من وجود المعانى السابقة للسنة فإنهم كامو يعتبرون ما صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مميزا عن غيره ، وأنه بعد كتاب الله عز وجل، له الأولوية على ما عده. وأنهم إذا أخذوا بغيره فلانهم لم يجدوا ما يغنيهم من صحيح السنة. عندئذ يلجئون إليه ، يقال الإمام الشافعى : والعلم طبقات شتى ، الألى : الكتاب ، والسنة إذا ثبتت السنة ، ثم الثانية الإجماع فيم ليس فيه كتابولا سنة ، والثالثة أن يقول بعض أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم قولا ولا نعلم له مخالفا منهم ، والرابعة : اختلاف أصحاب النبى صلى الله عليه الكتاب والسنة ، وهما موجودان ، وإنما يؤخذ العلم من أعلى ( ) .
لو رجعنا إلى كتب اللغة لوجدنا أن كلمة السنة مأخوذة من سن وتأتى سن بمعنى بين ، يقال : سن الأمر بينه ، وسن الله سنة : بين طريقا قويما ، وكل من ابتدأ امرا عمل به قوم من بعده فهو الذى سنه ، ومنه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((من سن فى الإسلام سنة حسنة فله اجرها وأجر من عمل بها بعده من غير ان ينقص من اجورهم شيء ، ومن سن فى الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها من عمل بها))( ) . ومصدر سن السن بفتح السين، والإسم هو السنة ، وجمعها سنن بضم السين ، وحكى ابن منظور فى لسان العرب جواز فتح السين وكسرها : سنن وسنن وتطلق فى العرف الاسلامى على الطريقة المحمودة المستقيمة ، وتطلق فى مقابلة البدعة ، فيقال : فلان على السنة إذا عمل وفق سنة النبى صلى الله عليه وسلم ويقال فلان على بدعة إذا عمل على خلاف ذلك ( ) .
وقد تقررفى الحديث ذكر السنة وما تصرف منها والأصل فيه الطريقة والسيرة. وإذا أطلقت فى الشرع فانما يراد بها ما أمر به النبى صلى الله عليه وسلم ونهى عنه وندب اليه قولا وفعلا مما لم ينطق به الكتاب العزيز. ولهذا يقال فى أدلة الشرع الكتاب والسنة أى القرآن والحديث.
يختلف العلماء فى تعريفهم للسنة النبوية تبعا لاختلاف تخصصاتهم :
يختلف معنى السنة عند أهل الشرع حسب اختلاف الأغراض التى اتجهوا اليها من أبحاثهم فمثلا علماء أصول الفقة عنوا بالبحث عن الأدلة الشرعية وعلماء الحديث عنوا بنقل ما نسب الى النبى صلى الله عليه وسلم. وعلماء الفقة عنو بالبحث عن الأحكام الشرعية من فرض و وجب ومندوب وحرام ومكروح. والمتصدرون للوعظ والإرشاد عنوا بكل ما أمر به الشرع أو نهى عنه. لذلك اختلف المراد من لفظ السنة عندهم بل وقد يقع الأختلاف أيضا بين علماء الطائفة الواحدة منهم.
فعلماء الأصول : يطلقون لفظ السنة على أقوال النبى صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريره. وبعض الأصوليين يطلق لفظ السنة على ماعمل عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء أكان ذلك فى الكتاب العزيز أم عن النبى صلى الله عليه وسلم أم لا كما فعلوا فى جميع المصحف وتدوين الدواوين ونحو ذلك. ويدل على هذا الاطلاق قوله صلى الله عليه وسلم فيم رواه مسلم ((عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى)) وذهب الى هذا أيضا طائفة من الكحدثين.
وعلماء الوعظ والارشاد : يريدون بالسنة الطريقة المسلوكية فى الدين من غير افتراض ولا وجوب. و أيضا علماء الوعظ والارشاد يريدون بالسنة ما قابل البدعة فيقال عندهم فلان على سنة اذا عمل على وفق ما عمل عليه النبى صلى الله عليه وسلم سواء كان ذلك مما نص عليه فى الكتاب العزيز أم لا ولا يقال فلان على بدعة اذا عمل على خلاف ذلك.
و عند علماء الحديث : ما أضيف إلى النبى صلي الله عليه وسلم من قول او فعل أو تقرير أو صفة خلقية خلوقية ، وكل ما نسب إلى النبى صلى الله عليه وسلم قبل الرسالة أو بعدها سواء أثبتت حكما شرعيا او لم تثبت ( ) . فهم يدرسون حياة النبى صلى الله عليه وسلم دراسة كاملة وافيا من جميع جوانبها : ولادة ، طفولة، صباه وشبابه ، كهولته ، وشيخوخته ، خلقا وخلقا فضلا عن معرفتهم لأقواله وأفعله حفظا وفقا ، ليعرف المؤمنون نبيهم صلى الله عليه وسلم ، فيقتدوا به ، فمن أحب إنسانا أحب كل ما يتصل به صغيرا كان أو كبيرا.
وعلماء الحديث يريدون بالسنة (علي ما ذهب اليه الجمهور) أقوال النبى صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته وصفاته الخلقية والخلقية وسيره ومغازيه وبعض أخباره قبل البعثة مثل تحنثة فى غار حراء ومثل حسن سيرته لأن الحال يستفاد منها ما كان عليه من كريم الأخلاق ومحاسن الأفعال كقول خديجة أم المؤمنين له صلى الله عليه وسلم ((كلا والله لا يخزيك الله ابدا انك لتصل الرحم وتحمل الكل وتقرى الضيف وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق)) ومثل انه كان أميا لا يقرأ ولا يكتب ، وانه عرف بالصدق ولاأمانة ، وما إلى ذلك من صفات الخير وحسن الخلق فمثل ذلك ينتفع به فى إثبات نبوية صلى الله عليه وسلم كثيرا كما حصل من هرقل فى حديثه المشهور. والسنة بهذا المعنى مرادفة للحديث النبوى عندهم.
وعند علماء الفقة : ما يثاب على فعلها ولا يعاقب على ترقها ، كسنن الصلاة والصوم والحج والوضوء وغيرها من السنن التى فعلها النبى صلى الله عليه وسلم وندب إلى فعلها ولم يفرضها عليهم ولم يوجبها ( ) .
ولعل تعريف المحدثين للسنة النبوية هو الذى يهمنا لشموله حياة النبى صلى الله عليه وسلم وعلى هذا درجت كتب السنة فلم تخصص السنة بما خصها الفقهاء والأصوليون.

المبحث الثاني : مفهوم الفلسفة التربية من السنة النبوية
يتضمن القرآن الكريم والسنة الشريفة أصولا تربوية معينة تشكل أسس النظرية التربوية الإسلامية وتميزها عن غيرها من النظريات المختلفة. ويلاحظ على هذه الأصول أنها حطوط عريضة تسمح بالإجتهاد وتساير التطور وتلبي حاجات المجتمع لبنا نظرية تربوية ذات فلسفة متميزة وأهداف واضحة محددة، ونظام تربوي يهيء ناشئة المجتمع الإسلامى وبنيه ليجسدوا هذه الأهداف فى وجودهم الخاص ، وفى تعاملهم مع الآخرين ، وتفاعلهم مع الأحداث والواقائع عبر الزمان والمكان.
فلسفة التربية الإسلامية جزء من فلسفة الإسلام الكلية عن الإنسان والكون والحياة. فقد خلق الله الإنسان ليكون خليفة فى الأرض يستغلها ويكشف أسرارها وأسرار العوالم المحيطة ليرى آيات الله فى ذلك كله ، ويتصرف بشؤون الحياة حسب التوجيه الإلهى ،  وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً  ( ) .
وليستطيع الإنسان قراءة كتاب الكون منحه الله القدرة غلى تسحير والخلافة فيه وفطرة على صورة تؤهله للتلقى عن الخالق ، والتعامل مع العوالم المحيطة، فهة نفخة من روح الله من ناحية ، وهو محلوق من طين من ناحية أخرى.  إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ  ( ) . كذلك زوده بالقابليات والاستعدادات والقدرات العقلية والنفسية والجسدية التى تمكنه من التلقى عن الله سبحانه ، والقدرة على التعرف على قوانين الخلق ثم تحويل ما تتلقاه من معارف وتوجيحات إلى ممارسات وتطبيقاط عملية فى الأرض.
وليمارس الإنسان هذه الوظيفة المزدوجة منحه الله حرية العمل والتطبيق وألزمه مسؤولية النتائج ، وبرحمة من الخالق المربى وضع فى أصل خلقه وتكوينه الرضى والسرور إن هو انسجم مع النواميس والأقدار التى توجه حياته وتوجه العوالم المحيطة به ، والألم والنفور إن هو اصطدم بهذه الأقدار. وتلك هى الفطرة التى ذكرها القرآن الكريم. أى أن الإنسان مفطور ومصم على الانجداب لطاعة الله ومحبته به، والانجذاب للخير والفضيلة والحق والصواب ، والنفور من الكفر والرذيلة والخطأ والشر  فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ  ( ) .
والتربية هى وسيلة هذا الإيمان وأداة الإعداد لإتقان الصالحات من الأساليب والممارسات ، وهى مستمرة باستمرار وجود الإنسان على الأرض ، لهذه كله احتلت التربية فى الإسلام منزلة عالية ((إنما يخشى الله من عباده العلماء)) ( ) و((من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة)) ( ) و ((من خرج فى طلب العلم كان فى سبيل الله حتى يرجع))( ) و ((طلب العلم فريضة على كل مسلم)) ( ) .
وتتناسق طبيعة هذه التربية مع تكوين الإنسان وتصميمه ، فمن حيث هو نفخة من روح الله ينبغى أن يعتنى بتربيته بالجانب الروحى والمحافظة على سلامة صلته بالخالق المربى ، ومن حيث هو مخلوق من طين له رغباته ودوافعه ينبغى أن يزود بكل المقومات والمهارات التى تنظم وجوده المادى ، ومن حيث هو خليفة الله فى الأرض ينبغى أن يزود بكل المعارف والمهارات التى تمكنه من فهم العوالم المحيطة بها وإدارة حياته وأداء دوره.
لذلك وازنت فلسفة التربية الإسلامية بين حاجات المتعلم الروحية وحاجات المادية وحاجات الاجتماعية وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا( )، وعن أنس بن مالك رضى الله عنه : ((جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبى صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبى صلى الله عليه وسلم ، فلما أحبروا كأنهم تقالوها فقالوا : وأين نحن من النبى صلى الله عليه وسلم ، وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال أحدهم : أما أنا فإنى أصلى الليل أبدا ، وقال آحر : أنا أصوم الدهر ولاأفطر. وقال آخر : أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أنتم الذين قلتم كذا و كذا ؟ أما والله إنى أخشاكم الله، وأتقاكم لله ، لكنى أصوم وأفطر، وأصلى وأرقد ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتى قليس منى)) ( ) .
كذلك نظرت فلسفة التربية الإسلامية إلى التربية ، بسبب من وظيفة الإنسان، كضرورة اجتماعية وعامل من عوامل استقرار المجتمع وبث الأمن وانتشار المعرفة فيه. فإذا أجدب المجتمع من العلماء وساد الجهل دب الاضطراب وشاعت الفتنة وسادت الخرافة ، يقبض العلم ويظهر الجهل والفتن ، ويكثر الهرج ، ((قيل يا رسول الله وما الهرج ؟ فقال هكذا بيده فحرفها كأنه يريد القتل)) ( ) . وقال أيضا : ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ، ولكن يقبض العلماء ، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا))( ) .
وهكذا نجد أن فلسفة التربية الإسلامية تشكلت بفعل عوامل أربعة :
الأول : عامل عقائدى وهو تحديد الصلة القائمة بين الخالق المربى وبين الإنسان المخلوق.
الثانى : عامل اجتماعى وهو بلوة العلاقات وأنماط السلوك فى الدائرة البشرية التى ينتمى إليها المتعلم ، وهى دائرة شملت جميع أفراد النوع الإنسانى.
الثالث : عامل مكانى وهو أسلوب العيش على الرقعة المكانية التى استخلف الله المتعلم فيها ، وهى رقعة شملت الكرة الأرضية كلها.
الرابع : عامل زمنى وهو مراعاة البعد الزمنى لعمر المتعلم وهو بعد يبدأ فى الدنيا ويمتد إلى الآخرة عبر مستقبل لا يتناهى.
و من هنا جاءت أول آية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى غار حراء لتميز فلسفة التربية التى طرحتها عن فلسفات التربية الأخرى :  اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) ( ) .

الفصل الثالث
فلسفة التربية الإسلامية
المبحث الأول : مكانة فلسفة التربية فى العملية التربوية
تحتل فلسفة التربية – أية فلسفة تربية – المركز الأول في العملية التربوية. ومن هذه الفلسفة تنبثق أهداف التربية ومناهجها ومؤسساتها وطرقها ووسائلها في التعليم وفي التقويم كما تنبثق الجذور والسيقان والأغصان والأوراق والأزهار والثمار من البذرة التي تودع في باطن الأرض ثم يكون منها تلك الشجرة أو ذلك النبات الذين يكونان المصادر الأولية لأسباب الحياة للإنسان والحيوان وغيرهما من الكائنات الحية.
لذلك تتأثر الأهداف والمناهج والتطبيقات التربوية بفلسفة التربية التي تنبثق عنها وتكون نسبة الصواب والفاعلية فيها بالقدر الذي يكون في فلسفة التربية نفسها. وتكون فلسفة التربية صائبة فاعلة إذا كانت لا تقف عند توليد الوسائل والأساليب التي يحتاجها العمل التربوي وإنما تتضمن أيضا الغايات والأهداف النهائية التي وجد الإنسان من أجلها في ضوء علاقاته مع الخالق والكون والإنسان خلال رحلته عبر الزمان والمكان في المنشأ والحياة والمصير.
ولا بد لفلسفة التربية بعد أن تقوم ببلورة الغايات والأهداف ثم الأساليب والوسائل أن تستمر في توجيه هذه الأساليب والوسائل نحو تحقيق هذه الغايات والأهداف بتدرج يتناسب مع قوانين الخلق ونمو الخبرات البشرية.
ولا بد لهذه الفلسفة أيضا أن تنصف بالمرونة والتطور في نظام دائري يبدأ بالفلسفة التربوية نفسها ثم ينتفل نحو الأهداف التربوية ثم مكونات العمل التربوي من المناهج والأساليب والوسائل التي تتفاعل مع شخصية المتعلم وتسهم في إعادة تشكيل سلوكه ثم تقويم أنماط السلوك الحاصلة تقويما عمليا تستثمر نتائجه لتساعد على استمرار تطوير الفلسفة التربوية وما يتفرع عنها من الأهداف والأساليب والوسائل وهكذا.
ولعله من المناسب أن نوضح هذه العلاقات الدائرة بالشكل التالي:
ففي الشكل الذي تقدم تحتل فلسفة التربية المنزلة لأولى في العملية التربوية. وهي ترفع شعارا هدفه – تحقيق الخير والسعادة للإنسان-.
ومن – فلسفة التربية - تتولد – الأهداف العامة - وهي تفصيلات أدق لانعكاسات فلسفة التربية في ميادين الحياة العامة التي يراد من التربية الإسهام في بنائها.
ومن – الأهداف العامة - تتولد – المعادلات العملية المطلوبة - وهي يعادل الأفكار الواردة في الأهداف العامة من مظاهر السلوك والتطبيق العملي المطلوب تنميتها في شخصياتها المتعلمين.
ولتحقيق مضامين كل من فلسفة التربية والأهداف العامة والمعادلات العملية المطلوبة يجري تنظيم العمل المدرسي الذي يتضمن المنهاج والأساليب والوسائل.
ففي تصميم – المنهاج التعليمي- تتولد العلوم أو الخبرات. والعلم أي علم هو أحد الوسائل اللازمة لتحقيق الغايات الإنسانية التي ترفعها عقيدة المجتمع ومثله الأعلى. وتتقرر قيمة العلم بمقدار إسهامه في تحقيق هذه الغايات وثمراتها النافعة. فإذا لم يسهم في ذلك كانت الجهود المبذولة من أجل العلم جهودا ضائعة, والآمال المعقود عليه آمالا خائبة.
وفي إطار الأساليب والوسائل تتحدد طرق التربية وأنشطتها وأدواتها ، وتتحدد نماذج التوجيه والإرشاد ، ونماذج المربين والمرشدين والمخططين والمهارات التي يجب أن يتقنونها ، والمعارف التي يجب أن يحصلوا عليها ، والاتجاهات والقيم التي يجب أن يتحلوا بها، وتتحدد المؤسسات التربوية التي يجري فيها ذلك كله.
وتتضافر مكونات العمل التربوي كلها في التفاعل مع المتعلم وفي تهيئة الأجواء والأوضاع التي تساعده على إعادة تشكيل سلوكه العقلي والنفسي والعملي وإفراز أنماط جديدة من السلوك هي ما يطلق عليه في الرسم – المعادلات العملية الحاصلة -. ويفترض أن تكون هذه المعادلات العملية الحاصلة معادلة لأنماط السلوك المشار إليها في الرسم المذكور باسم – المعادلات العملية المطلوبة -.
ولتتحقق التربية من مدى نجاحها في تحقيق ما تعمل من أجله فإن عليها أن تزن المعادلات العملية الحاصلة في ميزان القياس والتقويم ، فتضع المعادلات العملية المطلوبة في كفة ، بينما تضع المعادلات العملية الحاصلة في كفة أخرى ، ثم تحدد نسبة ما أنجزته من أنماط السلوك الحاصل في ضوء الأنماط السلوكية المطلوبة. وفي ضوء هذا القياس أو الوزن تتبين التربية نسبة النجاح أو الفشل في المجهودات التربوية التي تبذل. وفي ضوء هذه النسبة يجري تقويم أثر مكونات الدائرة التربوية وإعادة النظر في كل منها ابتداء من الفلسفة التربوية حتى المعادلات العملية الحاصلة.
ولما كانت – المعادلات العملية المطلوبة - هي معايير ونماذج تتحدد في ضوء فلسفة التربية, وفي ضوء تلبيتها للحاجات المتطورة المتغيرة فإن عملية القياس والتقويم تبقى عملية مستمرة ويبقى الاجتهاد والعمل التربويين مستمرين لبلوغ الغايات. ومن هذا الاستمرار تكتسب الحياة صفة الارتقاء والتقدم.
وتختلف الفلسفات التربوية في تفسير معنى – الخير والسعادة للإنسان- الذي نرى لواءه مرفوعا في الدائرة ....... التي ... الرسم المشير إليها فيما سبق, حسب العقيدة العامة أو الفلسفة العامة التي اشتقت فلسفة التربية منها. فالإسلام يجعل السعادة والخير فصلين متكاملين: أحدهما في الحياة الدنيا ، وثانيهما – وهو الأهم والأدوم- في الحياة الآخرة. ومن خلال هذه المفهوم للخير والسعادة تتشكل الأهداف التربوية ومعادلات السلوك المطلوبة ويقوم البناء التربوي وتتشكل شخصيات المتعلمين. وإليه يشير المبدأ القرآني القائل:  وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِين  ( ) .
أما الفلسفات والعقائد الأخرى فقد تشابهت في صفة واحدة وهي الفصل التام بين فصلي الدنيا والآخرة وقطع العلاقة بينهما ، ثم اختلفت بعد ذلك اختلافا كبيرا في تقويمها لكل من الفصلين. ففي حين تتوجه بعضها إلى جنة الآخرة عبر ضباب معتم متخبط في المعرفة والسلوك والقيم ، فإن البعض الآخر قد رفض الاستمرار في هذا الضباب المعتم المضطرب ، وآثر الإقامة في جنة على الأرض خلال الحياة الدنيا. وكلا الفريقين يعكس آثار هذا النقص والاضطراب الذي وقع فيه على فلسفات التربوية وما ينبثق عنها من أهداف ومعادلات في السلوك ، ونظم تربوية.
والتربية الإسلامية هي أكثر نظم التربية تحديدا وتفصيلا وشمولا لمكونات الدائرة التربوية. وسوف نرى أن فلسفة التربية الإسلامية هي فلسفة محددة واضحة ، وأن هذا الوضوح والتحديد قد سريا فيما انبثق من أهداف وأساليب ووسائل ، وسوف نرى كذلك أن – المعادلات العملية المطلوبة - قد تجسدت مظاهرها الدينية والاجتماعية في تطبيقات السنة ونموذج الرسول صلى الله عليه وسلم, وهو تجسيد دقيق شامل مفصل لم تتيسر ميادينه ودقته لرسول سابق. أما مظاهرها الكونية فقد تُركت للعقل البشري بعد أن أنارت له الطريق لأنها إحدى الوسائل التي تمكن الإنسان من قراءة كتاب الكون واكتشاف البراهين العلمية على قدرة الله وعظمته.
وأما العمل المدرسي أو التربوي فإن التربية الإسلامية- وإن حددت خطوطه العريضة فإنها تركت تفاصيله لـ أولي الألباب من المختصين في كل زمان ومكان.
وأما القياس والتقويم فإنه يتجسد في مبدأ – التوبة -. فالتوبة –وإن ضاق مفهومها عند المسلمين ابتداء من عصور الجمود- هي قياس وتقويم... مظاهر السلوك العقلية والنفسية والعملية. بل إن التوبة من الفهم الخاطئ والفكر الخاطئ هي أكثر ضرورة من توبة الأعضاء الخاطئة ، لأن الأولى أصل الثانية ومقدمتها.

المبحث الثانى : بناء فلسفة إسلامية لتربياتنا وتعليمنا
وتحديد فسلفة تربوية حتى بهذا المعنى البسيط الأخير يعتبر ذا أهمية كبرى بالنسبة لأي نظلم تعليمي ينشد الإصلاح والتقدم ومتانة البنيان والأساس فالتربية كما يقول الدكتور فوزي النجار : لا يمكن لها أن تنمو وتكتمل وتتواءم في ميدان التطور ما لم تستند إلى قكر فلسفي يغذيها بالجدًة والإبتكار والإبداع في عالم يسابق العلم ومنجزاته للفكر وتطلعاته . وما دمنا نسأل : لماذا نعلًم ؟ وكيف نعلًم ؟ فستبقى حاجة التربية إلى الفلسفة ملحة وضرورية... ( )
فالفلسفة التربوية الصالحة من شأنها أن ترشد سير المخططين والعاملين في حقل التربية والتعليم وتعطي أعمالهم صبغة العمل الحكيم الهادف ، وتربط جهودهم التربوية بالفلسفة العامة لبلادهم وأمتهم ، وتجنبهم التخبط واللجوء إلى الحلول العاجلة المؤقتة في معالجة المشكلات التعليمية.
ولنكون أكثر تخصيصا في توضيحنا لأهمية تحديد فلسفة للتربية فإنه يجدر بنا أن نشير إلى بعض الفوائد التي من شأنها أن تنتج من تحديد مثل هذه الفلسفة ، ومن بين هذه الفوائد ما يلي :
أ‌- فالفلسفة التربوية من شأنها أن تساعد المخططين للتعليم والعاملين على تسيير دفته في البلاد على تكوين الفكره السليمة عن طبيعة العملية التربوية وعن غاياتها ووظائفها ، وعلى رفع مستوى معالجتهم للمشكلات التربوية ومستوى تصرفاتهم وأحكامهم وقراراتهم وخططهم التربوية ، وعلى تحسين مسنوى ممارساتهم التربوية وتحسين طرقهم وأساليبهم في التدريس والتقويم والتوجيه والإدارة ، كما أنها تعطي أعمالهم – كما قدمنا – صبغة العمل الهادف وتجعل لأعمالهم التربوية بعدا فكريا وفلسفيا ، وتربط بين أوجه النشاط والجهود التي يبذلونها في سبيل تحقيق أهداف التعليم ، والفلسفة التربوية الشاملة التى حددت في إطار تراث الأمة وثقافتها وواقعها الروحي والإجتماعي والإقتصادي والسياسي من شانها أن تجعل دارسها والمتعمق في فهمها ، يرى العملية التربوية في علاقاتها وإرتباطاتها بسائر القوى الثقافية و الإقتصادية والسياسة ، ويرى أهداف هذه العملية في الإطار الثقافي بما فيه من تماسك وتفكك وما فيه من رواسب (تقليدية) واتجاهات ثورية ... ودراسة فلسفة التربية إذ تزويد الدارس بنظرة شاملة مفحوصة مدروسة ، توفر له زاوية عريضة ينظر منها التربية ويفحص من خلالها المشكلات ويقوم النظريات والمواقف والمجهودات التربوية.
"إنه من السهل على المربي أن يتوه في زحمة العمل اليومي ومطالبه المتعددة المتلاحقة التي تتجاذبه في اتجاهات متعارضة ، ومن السهل أن يفقد اتجاهه وينحرف وراء التفاصيل التي تمليها عليه هذه المطالب والواجبات. وكثيرا ما تخفي عنه الصورة العامة الشاملة التي يعمل في إطارها والهدف الذي يسعى إليه ، وينقلب عمله إلى سلسلة من مجودات متتابعة لكنها غير متصلة بل مفككة ، لا رابط بينها إن لم يكن التناقض ضاربا فيها ....).
"..... إن دراسة فلسفة التربية يمكن أن تسهم مساهمة فعالة في تمكينه من بناء هذه النظرة وفي مساعدته على أن يكتشف مستويات متزايدة من العلاقات فيما يقوم به، ومن العلاقات بين مجهوداته ومجهودات غيره وبين تخصصه وتخصص غيره( ).
ب) والفلسفة التربوية من جهة أخرى تكون الأساس الذي في ضوئه يمكن أن تحدد أهداف التعليم العامة والخاصة ، وتوضع مناهجه ، وتختار طرق ووسائل التدريس المستعملة في مدارسه ومعاهده وكليته ومؤسساته ، وتحدد السياسة والاتجاهات والأساليب التي يراد اتباعها في إدارة هذه المدارس والمعاهد والكليات، وتحل المشكلات التربوية ، وترسم الخطط التربوية بجميع أنواعها ومستوياتها. فالمخطط التربوي والإداري التربوي لا يمكن القيام بما يتوقع منهما من عمليات التخطيط والتوجيه والتنسيق ومراجعة وتعديل وتطوير مناهج وطرق وأساليب ووسائل التعليم المختلفة، تعمق وكفاءة وفاعلية ، إلا إذا كانت لهما فلسفة تربوية شاملة أو إذا كان لهما إلمام واف بمثل هذه الفلسفة.
ج) والفلسفة التربوية مع الأهداف التربوية التي تعتبر في الحقيقة جزءامنها تكون خير أساس للتقويم التربوي في معناه الشامل. فالتقويم التربوي يعتبر أمرا ضروريا لكل تعليم صالح. وهو في مفهومه الحديث يتسع ليشمل كل عمل وكل نشاط تقوم به المدرسة والمؤسسات التعليمية بصورة عامة في سبيل تربية النشء والمواطنين، وكل شيء فيها. ولم يعد مفهوم التقويم قاصرا على تقويم التحصيل المدرسي للتلاميذ والدارسين فقط. وطبيعي أن التقويم يتطلب مقاييس ومعايير يبنى عليها. والمقاييس الطبيعية لعملية التقويم المدرسي والتربوي هي المبادئ العامة التي تتكون منها الفلسفة التربوية ، والأهداف التربوية العامة والخاصة. فأي برنامج مدارس أو طريقة تدريس ، أووسيلة تعليمية أو خدمة مدرسة أو إجراء إداري ، أو تخطيط تعليمي يمكن أن تقاس صلاحه وقيمته بمدى تمتبه مع الفلسفة التربوية المحددة.
والأهداف التربوية المرسومة. وبمدى نجاحه وفاعليته في تطبيق تلك الفلسفة وتحقيق هذه الأهداف.
د) ومن شأن تحديد الفلسفة التربوية أن يكسب العمل التربوي والتعليمي شيئا من الاحترام والتقدير من قبل الطلاب والمدرسين والعاملين في حقله ، ويعطيهم سندا عقليا يعتمدون عليه في الدفاع عن أعمالهم وعما يقومون به في المجال التربوي والتعليمي تطبيقا لتلك الفلسفة ، ويوجههم وسط هذا الخصم من التيارات الفكرية والفلسفية العامة التي تسود عالمنا المعاصر ووسط وجهات النظر التربوية المختلفة،ويساعدهم على الإجابة على كثير من الأسئلة التي تدور ي أذهانهم.
هـ) ومن شأن تحديد فلسفة تربوية لنظامنا التعليمي أن يجعل هذا النظام التعليمي طابعه الخاص وشخصيته المتميزة المتمشية مع مبادئ وقيمه ديننا وقيم أمتنا العربية الإسلامية ومع ثقافنا وظروفنا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ومع متطلبات العصر الذي نعيش فيه. فالتحديد لفلسفتنا التربوية يساعد من غير شك على إطاء تعليمنا عمقا فكريا وعلى بالعوامل الروحية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية في بلادنا وبالسياسيات التي رمسنا لأنفسنا في شيى مجالات الحياة.
هذه هي أهم الفوائد التي يمكن أن تجنى من تحديد وفهم ودراسة الفلسفة التربوية. وهناك كثير من الفوائد والوظائف الأخرى التي يمكن أن تؤديها الفلسفة التربوية والتي تعرض لشرحها كثير من كتاب فلسفة التربية ، ولا نرى أن هناك داعيا لسرد هذه الفوائد والوظائف ونقل ما ذكره هؤلاء الكتاب بخصوصها ( ) .
وهذه الفوائد جديرة بأن تدفعنا لبناء مثل هذه الفلسفة وتجعلنا نستهين بأي مجهود يبذل في سبيل هذا البناء ، لأننا إن نظرنا إليه نظرة بعيدة فإننا نحد فيه توفيرا للوقت والجهد وخطوة هامة وأساسية نحو إصلاح نوعية تعليمنا.
وإذا كنا قد تحدثنا عن أهمية فلسفة تربوية بصورة عامة مجملة ولم نحدد نوع هذه الفلسفة التي ينبغي تحديدها ولا الطابع الذي يجب أن يغلب على هذه الفلسفة ، فإن عنوان الفصل الذي نتحدث فيه عن طبيعة هذا الفلسفة وما سنذكره لهذه الفلسفة من مصادر ومقومات وشروط وما سنذكره من مبادئ ومعتقدات وفروض ومسلمات تقوم عليها هذه الفلسفة هي الفلسفة التربوية المستمدة من مبادئ وروح الإسلام. إنها الفلسفة الإسلامية للتربية. وإن شئت قلت عنها إنها فلسفة التربية الإسلامية. فهذه الفلسفة هي ما يحتاجه إذا كنا نريد حقا أن تكون لنا شخصيتنا المستقلة وثقافتنا المتميزة وطابعنا التربوي المميز. وإقامة تربيتنا على أساس من الإسلام لن يفقد أية ميزة من ميزات التقدم الحقيقي ولن ينفي عنها سمة التجريب والعصرية والتقدمية.

المبحث الثالث : فلسفة التربية الإسلامية وعلاقتها بفلسفة العامة
يجدر بنا أن نبدأ بتوضيح مفهوم الفلسفة الإسلامية العامة ، لأن هذا التوضيح لمفهوم الفلسفة الإسلامية من شأنه أن يساعدنا على فهم طبيعة فلسفة التربية الإسلامية وعلى فهم العلافة أو الصلة بين هذه الفلسفة التربوية الإسلامية وبين الفلسفة العامة.
فالمعنى اخر غي كلمة (فلسفة) في أصولها اليونانية القديمة هو (حب الحكمة) . وقد إستمر لهذا التعريف البسيط وجود حتى في الفلسفة الإسلامية ، وقد حاول الفلاسفة الإسلاميون أن يجدوا لهذا التعريف سندا في القرآن الكريم وفي الثقافة الإسلامية العربية ، وذلك مثل قوله تعالى :  وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ( ) ، وما ورد في الأثر من أن (الحكمة ضالة المؤمن إلتقطها أنى وجدها) ، وما ورد في قول الشاعر العربي :
إذا كنت في حاجة مرسلا فأرسل حكيما ولا توصه
ويتبين من هذا التعريف البسيط للفلسفة العامة ، أن الفلسفة ليست الحكمة ذاتها ولكنها حب الحكمة والسعي وراءها ، وبهذا المعني يكون الفيلسوف هو الشخص الذي يحب الحكمة ويسعى وراءها ويتفرغ لها ويكتسب إتجاها نحوها ونحو البحث عن حقائق الأشياء ومحاولة ربط الأسباب بمسبباتها ومحاولة تفسير الخبرات الإنسانية.
وكلمة (حب) في الفلسفة تتضمن أيضا أن الفيلسوف ليس هو ذلك الفرد الذي يجلس في عزلة عن ذلك العالم الذي يتأمله ، ولا يعتبر فيلسوفا حقا ذلك الذي ينقصه الشعور العميق والإشتراك الشخصي الواسع المدى في إكتشافه لأعمق أنواع التساؤل عن هذه الحياة.
ومن إضافة كلمة (حب) إلى (الحكمة) يتبيم لنا أن ما يسعى إليه الفيلسوف هو الحكمة ، وطبيعي أن (الحكمة والمعرفة ليس شيئا واحدا فمن المعروف أن أحكم الناس ليس دائما أولئك الذين بلغوا أعلى المستويات الأكاديمية. فالحكمة تتضمن نضجا في النظرة ، وفكرا ثاقبا ، وفهما وإدراكا مما لا تستطيع المعرفة وحدها أن تؤكد وجوده) ، وهناك من يضيف قيدا أشرطا أخرا للحكمة وهو معرفة تطبيق المعرفة والمقدرة على تطبيقها. والحكمة تصبح مع هذا الشرط معرفة مقرونة بحسن التصرف والقدرة على التطبيق.
وهكذا يتبين لنا أن الحكمة التي يحبها الفيلسوف ويسعى للحصول عليها لها خمسة مكونات أ مفومات ، وهي : الشمول ، وإتساع النظرة ، والبصيرة ، والنظرة التأملية ، ومعرفة تطبيق المعرفة أو المعرفة المقرونة بحسن التصرف.
فالفيلسوف أو الرجل الحكيم يعتنق النظرة الشاملة ، فيقدر كل المعلومات الممكنة ، ولا يفنع بزاوية واحدة أو ميدان واحد للخبرة ، فهو يهتم بجميع ميادين الخبرة الإنسانية وهو من جهة أخرى يمتاز بنظرته الواسعة التي تمكنه من أن يرى الأشياء في مجال أوسع ويقدر مغزاها الحقيقي ، وأن يتجاوز الحدود الضيقة للإهتمامات الخاصة والمصالح الفردية ، وبذلك يصبح في موضع يمكنه من أن يحكم حكما نقديا ذكيا ، ثم أن الرجل الحكيم ليس سطحيا ولكنه يمتلك البصيرة ، فهو يعرف أن الأشياء ليست دائما ما تبدو عليه ، وأن ما يبدو تافها منها لا مغزى له قد يكون في الحقيقة ذا أهية عظيمة ، وأن ما يبدو هاما قد يكون في قيمته النهائية تافها ، والرجل الحكيم ليس لديه الإسعداد لقبول الأفكار في قيمتها الظاهرية، إذ يتحم سؤاله عن حقيقة معناها.
والرجل الحكيم من ناحية أخرىن (يرى ويكشفن اي ان لديه نظرة تاملية ترفعه فوق مستوى المطالب والاحتياطات العادية العاجلة غلى إمكانيات أوسع لدينا يدرككها فكرا وخيالا. فهي يبحث عن المفاهيم والمبادئ التي توح وتفسر تفسيرا له مغزاه الحبرة الإنسانية في مداها الكلي) ( ) .
ولا يزال الحكيم في حاجة إلى صفة اخرى هي معرفة تطبيق المعرفة وحسن التصرف في التطبيق. فهي يعرف ما يريد ويؤمن بأداء رسالته إيمانا حارا ، فيندفع عاملا في تأدية هذه الرسالة.
والحكمة بهذا المعنى لا يحتاجها الفيلسوف فقط ، بل يحتاجها كل مواطن صالح، خاصة من كانت له قيادة فكرية او تربوية أو اجتماعية أو اقتصادية او سياسيةز ويأتي على راس هؤلاء المربي أو المعلم الذي يجب أن يكون حكيما إلى أبعد حدود الحكمة. (والمعلم الحكيم هو المعلم الذي يحسن تنمية مواهب طلابه ويوجهها نحو الخبر في جو من المحبة الأبوية والعلاقات الاجتماعية الصحيحة...(وهو الذي) يعرف ماذا يريد ويؤمن بأداء رسالته إيمانا حرات فيندفع عاملا في تادية هذه الرسالة).... ( ) .
والفلسفة العامة كما تعرف بأنها (حب الحكمة) ، فإنها تعرف أيضا بأنها البحث عن الحق والحقيقة ، أو محاولة معرفة الموجودات على ما هي عليه بقدر الإمكان ، أو أنها التساؤل عن قيمة كل ما يحيط بالإنسان في الكون والحياة ، أو هي العلم الذي يبحث في الحقائق المبادئ المتصلة بطبيعة الكون والحياة والإنسان وبوجود خالق الكون والحياة والإنسان ، وبطبيعة القيم الإنسانية، أو هي العلم الذي يبحث في ثلاثة مباحث أو مشكلات رئيسية ، هي مشكلة الوجودن ومشكلة المعرفة ، ومشكلة القيم. وفي مجال الحياة العملية ، يمكن تعريف الفلسفة العامة في الحياة بأها وجهة النظر، أو طريقة الحياة ، أو مجموعة المبادئ التي يدين بها الشخص في حياته ويسترشد بها في تصرفاته واختياراته وأحكامه.
ولعلنا لو تملنا في هذه التعريفات الأخيرة أيضا ، لوجدنا أن ما تضمنته من صفات واهتمامات لا يقتصر وجودها واهميتها على الفيلسوف العامن بل هي ممكننة الوجود وضرورية أحيانا بالنسبة لكصير من الأشخاص الآخرين غير الفلاسفة العامين. وممن يجب أن تتوفر لديهم تلك الصفات والاهتمات هو المربي الصالح والفيلسوف التربوي.
فالفيلسوف التربوي ، مثله مثل الفيلسوف العام، يحاول البحث عن الحق والحقيقة في المسائل والمشكلات التي لها صلة بالعملية التربويةن ويسعى جاهداً لتأصيل المفاهيم التربوية ولمعرفة الأسباب الحقيقية للمشكلات التربوية. كما أنه يحاول أن يتساءل عن كل ما يمكن أن يوجه العملية التربوية من قيم وأهداف وما إلى ذلك.
وبما أن الفيلسوف التربوي ممن يتوقع منهم التخطيط الحكيم لجعل العملية التربوية والجهود التربوية في الأمة في المستوى الذي يعد الأجيال الصاعدة والمواطنين عامة للإيمان الصحيح بربهم وخالقهم وبكل ما أوحى به الخالق من رسالات وتعاليم سليمة حول رسله الكرام. ويمكنهم من الفهم الصحيح لطبيعة الكون المحيط بالإنسان وللعلاقة التي تربط هذا الكون بخالقه من جهة ، والتي تربطه بالإنسان من جهة أخرى، ويعرفهم بأنفسهم وبقيمتهم في هذه الحياة وبالدور الذي يمكن أن يقوموا به أو الذي يجب أن يقوموا به في هذه الحياة لتطوير مجتمعاتهم وتغيير أوضاع حياتهم إلى ما هو أفضلن ويمكنهم من اكتساب المعارف الصحيحة السليمة في كافة مجالات حياتهم ، ويهذب أخلاقهم وأذواقهم الفنية والجمالية، وينمى لديهم اتجاه احترام الحق ويعرفهم بخصائصه ومقوماته ومصادره وطرق الوصول إليه فإن الفيلسوف التربوي لهذه التوقعات كلها منه لا بد أن تكون له فكرة صحيحة واضحة شاملة عن مبحث الوجود بجوانبه المختلفة الإلهي والإنساني والطبيعي المادي والاجتماعي ، ومبحث المعرفة البشريةن ومبحث القيم الإنسانية المتمثلة في قيمة الخير وقيمة الجمال وقيمة الحق ، لأنه بدون هذه الفكرة لن يكون في المستوى لذي يفي بكل تلك التوقعات، ففاقد الشيء لا يعطيه.
والفيلسوف التربوي – من جهة أخرى - يحتاج كغيره من المواطنين الواعين الصالحين أن تكون له وجهة نظر محددة في الحياة أو أن تكون له مجموعة من الفروض والمسلمات والمبادئ والمعتقدات التي يدين بها ويسترشد بها في حياة العامة، ويزد على المواطن العام بأنه لابد أن تكون له وجهة نظر محددة في المجال التربوي بجميع جوانبه ، أو أن تكون له مجموعة من الفروض والمسلمات والمبادئ والمعتقدات التربوية أو التي لها تضميناتها وتطبيقاتها التربوية ويحاول أن يسترشد بها في عمله ونشاطه التربوي وفي مواجهة المشكلات التربوية التي تصادفه.
وهكذا يتبين لنا أن الفيلسوف التربوي هو شخص يستخدم الأسلوب الفلسفي في الميدان التربوي أو يمتلك وجهة نظر تربوية محددة أو مجموعة من المبادئ والمعتقدات التي لها قيمة تطبيقية في المجال التربويز وهذه العلاقة الوثيقة بين الفيلسوف العام والفيلسوف التبروي منبثقة أصلا عن العلاقة القوية بين الفلسفة العامة والفلسفة التربوية. فالفلسفة التربوية لا تعدو ان تكون تطبيقا للنظرة الفلسفية والطريقة الفلسفية في ميدان التربية. و بعبارة أخرى إنها تمثل جانبا من الجوانب التطبيقية للفلسفة العامة وتهتم بتطبيق المبادئ المعتقدات التي تقوم عليها الفلسفة العامة في معالجة المشكلات التربوية العملية.
وفي إطار هذه العلاقة بين الفلسفة العامة والفلسفة التربوية ، قد عرفت فلسفة التربية بعدة تعريفاتن نذكر منها ما يلي:
‌أ- أن الفلسفة التربوية هي تطبيق النظرة الفلسفية والطريقة الفلسفية في ميدان الخبرة الإنسانية الذي نسميها التربية. ففلسفة التربية تعمل على نقد العملية التربوية وتعديلها والعمل على اتساقها وتوضيحهان حتى تتلاءم هذه الخبرة الإنسانية مع الحياة المعاصرة. وفلسفة التربية تتضمن البحث عن مفاهيم توجه الإنسان بين المظاهر المختلفة للعملية التربوية في خطة متكاملة شاملة ، وتتضمن أيضا توضيح المعاني التي تقوم عليها التعبيرات التربوية وتعرض الفروض الأساسية التي تعتمد عليها المفاهيم التربوية وتنمي علاقة التربية بغيرها من ميادين الاهتمام الإنساني.
وإذا كانت الخبرة الإنسانية بأنواعها المختلفة هي التي تعمل التربية على نقلها إلى الجيل الجديد، وإذا كانت هذه الخبرة نفسها هي التي تعمل الفلسفة في سبيلها تحليلا ونقدا وانسجاما واتساقا وحلا لأنواع التصارع والنزاع التي تفككها..
وهكذا تكون فلسفة التربية هي النشاط الفكري المظم الذي يتخذ الفلسفة وسيلته لتنظيم العملية التربوية وتنسيقها وانسجامها وتوضيح القيم والأهداف التي ترنو إلى تحقيقها. وعلى هذا تكون الفلسفة وفلسفة التربية والخبرة الإنسانية مكونات ثلاثة لكل واحد متكامل ( ) ..
‌ب- ومن التعريفات والتفسيرات التي أوردها الدكتور صادق سمعان لفلسفة التربية . هو تعريفها بأنها ذلك النشاط الذي يقوم به المربون والفلاسفة لتوضيح العملية التربوية وتنسيقها ونقدها وتعديلها في ضوء مشكلات الثقافة وتناقضاتها.
ويفيد هذا التعريف أننا لا ندرس فلسفة التربية لأجل ذاتها ، إنما ندرسها لأننا نعتقد أن هذه الدراسة تساعدنا على تطوير نظرتنا للعملية التربوية وعلى توجيه مجهوداتنا وتنسيقها وعلى تحسين طرائقنا وأساليبنا في التدريس والتقويم والتوجيه والإدارة ، وعلى رفع مستوى معالجتنا للمشكلات التربوية ومستوى تصرفاتنا وأحكامنا وقراراتنا. ودراسة فلسفة التربية تنجح أو تفشل بالقدر الذي تنجح به أو تفشل في توجيه سلوك دارسيها وفي تعديل تصرفاتهم وعلاقاتهم واتجاهاتهم الفكرية والاجتماعية. فالنتائج العملية هي معيارنا الأخير للحكم على أي موقف تربوي أو أي فلسفة أو نظرية تربوية ، وهى كذلك معيارنا للحكم على مدى نجاح هذه الفلسفة( )
‌ج- بالإضافة إلى هذين التعريفين هناك تعريفات أخرى كثيرة لفلسفة التربية ، لكنها لا تخرج في مجموعها عن المعنى الذي تضمنه التعريفان السابقان ، ونحن إذا ما أخذنا هذه التعريفات جميعا فإننا نجد فيها ما يبرر تعريفنا لفلسفة التربية بأنها مجموعة المبادئ والمعتقدات والمفاهيم والفروض والمسلمات التي حددت في شكل متكامل مترابط متناسق لتكون بمثابة المرشد والموجه ، للجهد التربوي والعملية التربوية بجميع جوانبها والسياسة التعليمية في البلاد ..
فنجن عندما ندعوا إلى بناء فلسفة تربوية لتعليمنا ونحاول المساهمة في بناء مثل هذه الفلسفة فإننا لا نعني بذلك أكثر من تحديد المبادئ والمعتفدات والفروض والمسلمات ، التي نؤمن بها بالنسبة للقضايا والمشكلات التبوية المختلفة ، ونرغب أن تكون الأساس الذي نقيم عليه أهدافنا وسياستنا وخططنا ومشروعاتنا ومناهجنا وطرائقنا التعليمية ونعالج في ضوءه مشكلاتنا التعليمية .
وهذا التعريف الأخير الذي اتينا به لفلسفة التربية صالح للتطبيق على أي نوع من أنواع التربية ، بما في ذلك التربية الإسلامية التي يهمنا في هذا البحث تحديد الفلسفة التي تقوم عليها ، وتحديدنا لهذه الفلسفة لا يخرج عن ذكر مجموعة من المبادئ والمعتقدات المستمدة من تعاليم الإسلام أو المتفقة مع روحه ، التي لها أهمية تطبيقية وتوجيهية في المجال التربوي.

الفصل الرابع
الفكر التربوى من السنة النبوية
المبحث الأول : أصول التربية فى السنة النبوية
المطلب الأول
العدل والتوازن

 العدل

وكانت تربيته لهم عليه السلام تقوم على أرضية من المساواة تبعث في نفوسهم جميعا الطمأنينة والثقة ، وقد حرص صلى الله عليه وسلم ، على أن تكون هذه المسواة قاعدة لكل المربين والمؤدبين في ممارستهم لمهنتهم الشريفة.

روى القابسي عن أنس بن مالك أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((أيما مؤدب ولي ثلاثة صبية من هذه الأمة فلم يعلمهم بالسوية فقيرهم مع غنيهم ، وغنيهم مع فقيرهم ، حشر يوم القيامة مع الخائنين))( ) .

فالعدل على ملحظ القابسي ينبغي أن يتحقق بين الطلاب حتى وإن تفاضلوا في الجعل( ) ، والمعلم الذي لا يحقق العدل والمساواة بينهم الشريف منهم والوضيع يكون خائنا للأمانة كما يؤكد ذلك سحنون( ) .

من الصفات التي أن يتصف بها معلم التربية الإسلامية أن يتحلى بهذه الصفتين ، قال تعالى :  إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ  ( ) فالعدل الذي أمر الله به ، يشمل العدل في معاملة الخلق و القيام بالقسط ، وهو مطلب من مطالب الحياة السليمة ، ويتأكد العدل في عمل المعلم في تقويميه للأقوال والأعمال التي يسمعها أو يشاهدها، فلا مجال لمحاباة أحد ، أو تفضيل أحد على أحد سواء لقرابته أو معرفته أو لأي أمر كان ، فإن هذا من الظلم الذي لا يرضاه الله وصاحبه متوعد بالعقوبة. واختلال هذا الميزان عند المعلم ، أي وجود التميز بين الطلاب، كفيل بأن يخلق التوتر وعدم الانسجام والعداوة والبغضاء بين المعلم والطلاب .

 التوازن

تعامل الفكر التربوي الإسلامي مع الواقع وليس مع التصورات العقلية ولا مع المثاليات التي لا مقابل لها في عالم الواقع. وقد تم ذلك في إطار من التوازن والوسطية ، فالإنسان ليس مفردا ، بل هو في جماعة ، والإنسان ليس في أصله خيرا مطلقا ، وليس شرا مطلقا، بل خلق سويا محايدا ، جبلت نفسه على بعض نواحي الضعف التي تظهر بين الحين والحين ، ومع ذلك قابليته للشر، وفي المنهج والأهداف التي ينبثق عنها ، فهناك توازن وثيق بين الجسم والعقل والروح. والفكر التربوي الإسلامي متوازن فلم يكن لجانب أن يطغى على آخر في الإنسان ، فلم يهتم بالقيم الروحية على حساب القيم المادية بل وازن بينها.

قال تعالى:  وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ( ) وقال صلى الله عليه وسلم : ((ليس بخيركم من ترك دنياه لآخرته ليس بخيركم من ترك آخرته لدنياه)).

وهذا ما نلاحظه عند المفكرين المسلمين مثل جاحظ والغزالي وابن مسكويه وابن خلدون وغيرهم. والغزالي يقول: "فيتعلم القرآن وأحاديث الأخيار وحكايات الأبرار واحوالهم لينغرس في نفسه حب الصالحين ، ويحفظ من الأشعار التي فيها ذكر العشق وأهله ، ويحفظ من مخالطة الأدباء الذين يزعمون أن ذلك من الطرف ورقة الطبع فإن ذلك يغرس في قلوب الصبيان بذور الفساد ، وفي مجال التربية البدنية الجسمية ويعود في بعض النهار المشي والحركة حتى لا يغلب عليه الكسل ويؤكد على قيمة اللعب ويربطه بالقدرات العقلية للطفل ويؤكد دوره في النشاط العقلي ، فيقول: "إن منع الصبي من اللعب وإرهاقه في التعليم دائما يميت قلبه ويبطل ذكاءه.

أما ابن مسكويه ، فقد ذكر أنه يجب أن يربي الإنسان على أدب الشريعة ويوجه بوظائفها وشرائطها حتى يتعودها ثم ينظر بعد ذلك في كتب الأخلاق حتى تتأكد تلك الأداب في نفسه بالبراهين ثم ينظر في الحساب والهندسة حتى يتعود صدق القول وصحة البرهان ثم يتدرج في منازل العلوم ، كما يوصى بالتربية الرياضية حيث إن الصببي يجب أن يعود على المشي والركوب والرياضة حتى لا يتعود أضدادها. ويضيف ابن سينا نظرة خاصة إلى التربية المهنية إذ يقول: "إذا فرغ الصبي من تعلم القرآن وحفظ أصول اللغة ، نظر بعد ذلك إلى ما يراد أن تكون صناعته فيوجه لطريقه ، وعليه يجب أن يعلم مدبر الصبي أن ليس كل صناعة يروحها الصبي ممكنة له مواتية ، ولكن ما شاكل طبعه وناسبه، وإنه لو كانت الأداب والصناعات تجيب وتنقاد بالطلب والمراد دون المشاكلة والملائمة، إذ ما كان أحد غافلا عن الأداب وعاريا من صناعة ، وإذن لأجمع الناس كلهم على اختيار أشرف الأداب وأرفع الصناعات ، ومن الدليل على ذلك سهولة بعض الأداب على قوم وصعوبته على الآخرين ، ولذلك ينبغى لمدير الصبي إذا رام اختيار الصناعة أن يزن أولا طبع الصبي ويسبر قريحته ويختبر ذكاءه فيختار له الصناعات بحسب ذلك، فإذا اختار له إحدىحدى الصناعات تعرف قدر ميله إليها ورغبته فيها ونظر هل صرف سنه على عرفان أم لا ، وهل أدواته مساعدة عليها أم خاذلة.

وكان الاهتمام بالناحسة الجمالية والذوق الجمالي واضحا ، فإن مسكويه ينصح بضرورة نظر الصبي في الموسيقي ، ويظهر هذا أيضا في حفظ الشعر وفي الاهتمام بالخط وترتيل القرآن الذي يعتبر (حلية القرآن). وكان ابن عباس رضي الله عنه يقول: "لأن اقرأ البقرة وآل عمران أرتلهما وأتدبرهما أحب إليّ أن اقرأ البقرة وآل عمران تهذيرا".

وكان الخط هو أيضا من أدوات التعبير والتذوق الجمالي، يقول ابن خلدون: "ونجد تعليم الخط في الأمصار الخارج عمرانها عن الحد أبلغ واحسن وأسهل طريقا لاستحكام الصنعة فيها" ، ويقول عن مصرك "إن بها معلمين متصدين لتعليم الخط يلقون على المتعلم قوانين وأحكاما في وضع كل حرف ، ويزيدون غلى ذلك بالمباشرة تعليم وضعه ، فتعضد لديه رتبة العلم والحس في التعليم ، وتأتي ملكته على أتم الوجوهن وإنما أتى هذا من كمال الصنائع وفورها بكثرة العمران وانفساح الأعمال". ويقول: "وله بها معلمون يرسمون للمتعلم الحروف على تلك الأوضاع وقد لقنها حينا، وحذق فيها درية وكتابا ، وأخذها قوانين علمية، فتجيء أحسن ما يكون".

وكل هذا يعكس التكامل والتوازن الذي اتسم به الإسلام فأعطاه للفكر الإسلامي ، ذلك التوازن الدقيق بين أهداف التربية المختلفة.

المطلب الثانى

القابلية والإعداد للتربية

لولا قابلية الإنسان للتربية لكان كل جهد يبذل في هذا المجال يضيع سدى. ولا يحتاج هذا الأمر إلى بيان من الناحية الجسمية ، إذ أن نمو الأجسام وتأثرها بالتربية واضح معروف. أما النواحي العقلية والنفسية والروحية والخلقية فتتضح بملاحظة استجابة الإنسان لما يقدم إليه منها وتأثره بها ، ومقارنة من حصل على تربية رفيعة وتعليم عالي المستوى بمن حرم من ذلك؛ فالأول تتفتح مداركه ، وتصقل مواهبه ، ويعتدل مزاجه ، وينمو ذكاؤه ويرتفع شأنه. ولا يرقى الآخر إلى هذا المستوى الرفيع.

وقد خلق الله الإنسان غير عالم بشيء ، ولكنه زوده بالوسائل التي تمكنه من العلم والاستجابة للتربية، وجعل فيه الاستعداد والقابلية لهما.

قال سبحانه : وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ( ) .

وجعل لديه القابلية ليسلك طريق الخير أو طريق الشر :

َلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ( )

وهي إذا سلك طريق الحق والخير أصبح مؤمنا شاكرا، وإذا سلك طريق الباطل والشر أصبح كافرا فاجرا :

إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ( )

وإذا هذب الإنسان نفسه وأصلحها أصبح من المتقين المفلحين، وإذا دنس نفسه بالذنوب وقبائح العيوب أصبح من الفجار الخاسرين :

وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا( ) .

وقد أدرك المربون المسلمون هذا المبدأ الهام في التربية.

قال الإمام الغزالي : "لو كانت الأخلاق لا تقبل التغيير لبطلت الوصايا والمواعظ والتأديبات ، ولما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : حسنوا أخلاقكم ، وكيف ينكر هذا في حق الآدمي ، وتغيير خلق البهيمة ممكن، إذ ينتقل البازي من الاستيحاش إلى الأنس ، والكلب من شره الأكل إلى التأدب والإمساك والتخليق ، والفرس من الجماح إلى السلاسة والانقياد. وكل ذلك تغيير للأخلاق ( ) .

ومع قابلية الإنسان للتربية واستعداده لها فكثيرا ما يعتريه الفتور ويشعر بالملل والنفور، ولذا ينصح علماء التربية بتهيئة الطلاب قبل تقديم المعلومات إليهم ، ويوصون بجعلهم على حل يشعرون فيه بالحاجة إلى التعليم ، فإذا ما تلقوا ما يحتاجون إليه عندئذ فهموه وتأثروا به أشد التأثر. وإذا ما وقع الطالب في مشكلة ، وأصبح يبحث عن حل ها ، وطلب من مربيه أن يساعده للخروج منها ، وأمده بالتوجيهات والعلوم المناسبة ، فإنه يتلقاها بكل حواسه ، ولا يفوته شيء منها.

وقد تحقق هذا المبدأ بنزول القرآن مفرقا ، وخاصة الآيات التي نزلت لحل مشكلة وبيان حكم شرعي فيما عرف بأسباب النزول ، فكان الصحابة يتلقون تلك الآيات كتلقي الأرض العطشى لغيث السماء ، فيقبلون عليها يتلونها ويحفظونها ويمتثلون أحكامها دون تردد أو تريث.

وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقتصد في الموعظة حتى لا يملها أصحابه، ويتحين الأوقات المناسبة لها. وكذلك كان يفعل أصحابه والعلماء من بعدهم :

عن أبي وائل قال : كان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يذكرنا كل خميس فقال : "ما يمنعني أن أحدثكم إلا كراهية أن أملكم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهية السآمة علينا( ) .

ولهذا أوصى مربونا بمراعاة القابلية ، والفصل والتفريق بين العلوم والمواضيع المختلفة ، ونهوا عن تعليم أي موضوع قبل الفراغ مما قبله :

قال ابن سحنون : "ولا يجوز أن ينقلهم من سورة إلى سورة حتى يحفظونها بإعرابها وكتابتها ( ) .

ونهى القاضي أبو بكر بن العربي أن يخلط في التعليم علمان إلا أن يكون المتعلم قابلا لذلك بجودة الفهم والنشاط ( ) .

قال الشيخ عبد الباسط العلموي : "ولا يمكن للطالب من الاشتغال في فنين أو أكثر إذا لم يضبطهما، بل يقدم الأهم فالأهم. إذا غلب على ظنه أنه لا يفتح عليه في ذلك الفن أشار عليه بتركه والانتقال إلى غيره مما يرجى فلاحه فيه ( ) .

وكذلك نص ابن خلدون على مبدأ الفصل بين المسائل والعلوم المختلفة وعدم تعليم شيء قبل إتقان ما سبقه لئلا يؤدي ذلك إلى اضطراب الذهن وخلط الموضوعات بعضها ببعض فقال :

"ولا يخلق مسائل الكتاب بغيرها حتى يعيه من أوله إلى آخره، ويحصل أغراضه، يستولي منه على ملكة بها بنفذ في غيره ، لأن المتعلم إذا حصل ملكة ما في علم من العلوم استعد بها لقبول ما بقي، وحصل له نشاط في طلب المزيد والنهوض إلى ما فوق ، حتى يستولي على غايات العلم. وإذا خلط عليه الأمر عجز عن الفهم وأدركه الكلال ، وانطمس فكره ، ويئس من التحصيل ، وهجر العلم والتعليم. والله يهدي من يشاء.

"وكذلك ينبغي لك أن لا تطول على المتعلم في الفن الواحد بتفريق المجالس وتقطيع ما بينها ، لأنها ذريعة إلى النسيان وانقطاع مسائل الفن بعضها عن بعض ، فيعسر حصول الملكة بتفريقها. وإذا كانت أوائل العلم وأواخره حاضرة عند الفكرة مجانبة للنسيان كانت الملكة أيسر حصولا وأحكم ارتباطا وأقرب صيغة، لأن الملكات إنما تحصل بتتابع الفعل وتكراره. وإذا تنوسي الفعل تنوسيت الملكة الناشئة عنه. والله علمكم ما لم تكونوا تعلمون.

"ومن المذاهب الجميلة والطرق الواجبة في التعليم أن لا يخلط على المتعلم علمان معا، فإنه حينئذ قل أن يظفر بواحد منهما، لما فيه تقسيم البال وانصرافه عن كل واحد منهما إلى تفهم الآخر، فيستغلقان معا ويسصعيان ويعود منهما بالخيبة. وإذا تفرغ الفكر لتعلم ما هو بسبيله مقتصرا عليه فربما كان ذلك أجدر بتحصيله. والله سبحانه وتعالى الموفق للصواب ( ) .

أما في بلاد الغرب فكانت التربية تتم بطريقة شكلية مراعاة لطبيعة الطفل وميوله، وكانت الطفل يعتبر رجلا صغيرا لا يختلف عن الكبير في الميول والقوى والعقلية. وبقي الأمر كذلك حتى ظهرت الحركة الواقعية الحسية التي دعت إلى دراسة الطفل وتكييف عملية التربية تبعا لميوله ، مع أن معرفتهم بنمو عقل الطفل وبتطور نشاطه كانت محدودة ( ) .

ومما قاله كومينوس : "يجب أن ندرس الأشياء كلها ، ولا نعلم أكثر من شيء واحد في المرة الواحدة". ومن تعاليم روسو : إن التربية تبدأ بالطفل ، وإن هدفها هو تكوين أخلاق الطفل وتنظيم علاقاته الاجتماعية ، إن أسلوبها تحدده طبيعة الطفل. ويعد عالم النفس الإنكليزي جون لوك أول من كتب كتابا في التربية يهتم اهتماما كبيرا بالطفل ( ).

وهكذا نشأت روح عطف على الأطفال ومعرفة لعقل الطفل وميوله وقدراته، مما كان يجهله المربون في العصور السابقة، فأعلن بستالوتزي أن مشكلة التربية يجب دراستها من ناحية علاقتها بنمو عقلية الطفل وقال في ذلك : "فمهما يحاول الإنسان أن يفهم في تربية الطفل فلن يستطيع أن يعمل أكثر من أن يساعده في جهوده التي يبذلها هو في سبيل تنمية شخصيته. وإن سر التربية العظيم هو أن تفعل ذلك بحيث يكون تأثير التربية متناسبا دائما مع نمو الملكات التي لم تتفتح بعد ومتناسبا مع طبائعها. لذلك يجب أن تكون المعارف التي تقدمها التربية للأطفال جارية على نظام معين من التتابع ، فيتلو بعضها بعضا بحيث يكون أولها مناسبا لأول الملكات تفتحا، وبحيث يكون التقدم في الإلمام بهذه المبادئ موازنا لنمو الطفل.

وأكد فروبل على أن الطفل وميوله وخبراته ومظاهر نشاطه هو نقطة البداية ، وأن التربية تبدأ بالنشاط الذاتي لدى الطفل.

المطلب الثالث

التدرج فى التربية

يعني هذا المبدأ الانطلاق من السهل إلى الصعب ، والانتقال من الواضح الجلي إلى المعقد الخفي ، ومن المألوف المعروف إلى الغريب المجهول ، ومن الأسس والمبادئ العامة إلى التفاصيل والفروع الجزئية، كما يعني جعل التربية على خطوات يتلو بعضها بعضا.

ولقد اتفق نزول آيات القرآن الكريم مع هذا المبدأ ، إذ بدأت بالعقيدة ، واستمرت ثلاث عشرة سنة تنهي عن عبادة الأصنام والشرك بالله ، وتأمر بعبادة الله الواحد وطاعته ، وتحث على العمل بشريعته، وتدعو إلى الإيمان باليوم، وتبشر المؤمنين بالجنة، وتخوف الكافرين بالعذاب والنار، حتى دخل الناس في الإسلام ، وأصبحوا على استعداد لفعل ما يؤمرون به وترك ما ينهون عنه، وحينئذ نزلت الآيات بالأحكام الشرعية.

عن عائشة رضي الله عنها قالت : "إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ، ولو نزل أول شيء : لا تشربوا الخمر لقالوا : لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل : لا تزنوا لقالوا : لا ندع الزنى أبدا ( ) .

وأوضح مثال على هذا المبدأ الخطوات التي أدت إلى تحريم الخمر، إذ كان العرب مولعين بشربها ، ويعدونها من المؤن الضرورية ، ويتناولونها في الصباح والمساء والليل والنهار وحين السرور والحزن. والخمر أم الخبائث فهي تضر بالصحة لأنها تتلف المعدة ، وتؤدي إلى تشمع الكبد وتصلب الشرايين، وتذهب العقل وتشل الأعصاب، وتجعل من يتناولها يسيء إلى أقاربه وأصحابه، فيصبح الأصدقاء المتحابون أعداء متباغضين. وما يحدث بسببها من الخسائر المادية لا يحتاج إلى بيان. ومبادئ الإسلام ت تقضي بتحريمها لما فيها من أضرار.

ومع ذلك فقد تأخر تحريمها حتى انقضت خمس عشر سنة من بدء الوحي، وكان تحريمها بالتدرج وإثر حادثة تقتضي الحكم الشرعي في كل مرة.

وأول إشارة للمسكرات كانت قبل الهجرة في سياق ذكر بعض نعم الله على عباده، إذ وصف ما يصنعه الناس من ثمرات النخيل الأعناب من تمر وزبيب ودبس ومربيات بأنه زرق حسن ، ولم توصف الخمر التي تصنع منها بهذا الوصف. قال الله تعالى : وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ( ) .

وتذييل الآية يدل على أن العقلاء يتخذون الرزق الحسن من الثمرات لا السكر غير الحسن. وماذا بعد الحسن إلا القبيح ، فالخمر إذا قبيحة. وتلك إشارة للتنفير منها.

والخطوة الثانية في تحريم الخمر كانت في لفت الأنظار إلى أن أضرار الخمر والميسر تربو على منافعهما ، فأضرارهما كبيرة لا يحدها وصف ، ومنافعهما ضئيلة لا تزيد على دريهات يحصل عليها من يعصر الخمر ويبيعها ، ولقيمات يقدمها لاعبو الميسر إلى الفقراء حين يذبحون الجزور التي استقسموا عليها. وهم يكدرون هذا البر اليسير بما يخالطه من المن والفخر الخيلاء والكبر. وكان هذا التنبيه حين أتى عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل ونفر من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وسلم وقالوا : أفتنا في الخمر والميسر، فإنها مذهبة للعقل مسلبة للمال فأنزل الله تعالى هذه الآية :

 يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ( )

والخطوة الثانية حرمت الخمر والمسكرات حين القيام للصلاة :

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ( )

والآية نزلت في أناس من الصحابة كانوا يشربون الخمر ويحضرون الصلاة وهم نشاوى ، فلا يدرون كم يصلون ولا ما يقولون في صلاتهم ، إذ صنع عبد الرحمن بن عوف طعاما ، ودعا رجالا من الصحابة فطعموا وشربوا ، وحضرت صلاة المغرب، فتقدم أحدهم فصلى بهم فقرأ : قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ فلم يقمها ، فنزلت ( ).

وهذه الخطوة كسرت طوق العادة المستحكمة فيهم ، وضيقت الأوقات التي يستطيعون أن يتناولوا الخمر فيها ، فحصرتها في الليل بعد صلاة العشاء ، وفي الصباح بعد صلاة الفجر. ولم يعد بإمكانهم أن يشربوها من الزوال إلى العشاء لضيق الوقت بين الصلوات في ذلك الحين ، فلو سكر أحدهم بعد الظهر لدخل وقت العصر قبل أن يصحو من سكره، ولو سكر بعد العصر لأضاع صلاة المغرب ، وكذلك لو سكر بعد المغرب لأضاع صلاة العشاء.

والخطوة الرابعة حرمت الخمر والميسر تحريما قطعيا بقوله تعالى :

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ( ) .

وسبب نزول الآية يرويه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه بقوله : "أتيت على نفر من المهاجرين فقالوا : تعالى نطعمك ونسقيك خمرا ، وذلك قبل أن يحرم الخمر، فأتيتهم في حش ، وإذا رأس جزور مشويا عندهم ودن من خمر، فأكلت وشربت معهم ، وذكرت الأنصار والمهاجرين فقلت : المهاجرون خير من الأنصار، فأخذ رجل لحي الرأس فجدع أنفي بذلك ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وسلم فأخبرته ، فأنزل الله في شأن الخمر الآية ( ) .

وما إن نزلت الآية حتى كفوا جميعا عن شرب الخمر، وأهرقوا ما عندهم منها وكسروا قلالها :

عن أنس قال : كنت ساقي القوم يوم حرمت الخمر في بيت أبي طلحة ، وما شرابهم إلا الفضيخ والبسر، فإذا مناد ينادي ، قال اخرج فانظر، فإذا مناد ينادي : ألا إن الخمر قد حرمت. فجرت في سكاك المدينة. فقال لي أبو طلحة : اخرج فأهرقها فهرقتها( ).

وبهذه الطريقة المحكمة ، وبهذا المنهج الفذ والمبدأ القويم أمكن إصلاح الناس وتهذيب النفوس ، والقضاء على العادات السيئة.

ولقد نص علماؤنا على ضرورة الأخذ بهذه الطريقة :

قال الإمام الغزالي وهو يبين آداب المتعلم ووظائفه ، ويوصيه بمراعاةت الترتيب والتدريج في تحصيل العلوم : "أن لا يخوض في فن من فنون العلم دفعة ، بل يراعي الترتيب، ويبتدئ بالأهم، فإن العمر إذا كان لا يتسع لجميع العلوم غالبا فالحزم أن يأخذ من كل شيء أحسنه ، وأن لا يخوض في فن حتى يستوفي الفن الذي قبله ، فإن العلوم مرتبة ترتيبا ضروريا ، وبعضها طريق إلى بعض، والموفق من راعى ذلك الترتيب والتدرج ( ) .

وقال العالمة ابن خلدون : "اعلم أن تلقين العلوم للمتعلمين إنما يكون مفيدا إذا كان على التدريج شيئا فشيئا وقليلا قليلا : يلقي عليه أولا مسائل من كل باب من الفن هي أصول ذلك الباب ، ويقرب له في شرحها على سبيل الإجمال ، ويراعي في ذلك قوة عقله واستعداده لقبول ما يرد عليه، حتى ينتهي إلى آخر الفن. وعند ذلك تحصل له ملكة في ذلك العلم إلا أنها جزئية وضعيفة ، وغايتها أنها هيأته لفهم الفن وتحصيل مسائله. ثم يرجع به إلى الفن ثانية، فيرفعه في التلقين عن تلك الرتبة إلى أعلى منها ، ويستوفي الشرح والبيان، ويخرج عن الإجمال ، ويذكر له ما هناك من الخلاف ووجهه إلى أن ينتهي إلى آخر الفن، فتجود ملكته. ثم يرجع به وقد شذ فلا يترك عويصا ولا مهما ولا مغلقا إلا وضحه وفتح له مقفله، فيخلص من الفن وقد استولى على ملكته. وهذا وجه التعليم المفيد ، وهو كما رأيت إنما يحصل في ثلاث تكرارات، وقد يحصل للبعض في أقل من ذلك بحسب ما يخلق له ويتيسر عليه ( ) .

وعلل ذلك بقوله : "فإن قبول العلم والاستعدادات لفهمه تنشأ تدريجيا ، ويكون المتعلم أول الأمر عاجزا عن الفهم بالجملة إلا في الأقل وعلى سبيل التقريب والإجمال وبالأمثال الحسية. ثم لا يزال الاستعداد فيه يتدرج قليلا قليلا بمخالفة مسائل ذلك الفن وتكرارها عليه والانتقال فيها من التقريب إلى الاستيعاب الذي فوقه، حتى تتم الملكة في الاستعداد ثم في التحصيل ويحيط هو بمسائل الفن. وإذا ألقين عليه الغايات في البدايات ، وهو حينئذ عاجز عن الفهم والوعي وبعيد عن الاستعداد له كل ذهنه عنها ، وحسب ذلك من صعوبة العلم في نفسه ، فتكاسل عنه وانحراف عن قبوله ، وتمادي في هجرانه ، وإنما أتى ذلك من سوء التعليم ( ) .

وبعد ذلك أوضح الكتاب الإنكليزى هربرت سبنسر أن التعلم يجب أن يسير من البسيط إلى المركب ، ومن الحسى إلى المعنوى، ومن العملى إلى النظرى ، وأن التربية يجب أن تكون سارة ( ) .

وإلى جانب المربي تجنيب طلابه المزالق والوقوع في حبائل الشبهات وضلالاتها تجد رجال التربية الإسلامية ينيطون به واجبا أخر هو تحبيب العلم لهم باتباع التدرج في تعليمهم وتربيتهم (لأن الشئ إذا كان في إبتداءه سهلا حبب إلى من يدخل فيه وتلقاه بإنبساط ، وكانت غاقبته دايما الأزدياد بخلاف ضده)( ) وقد صور ابن خلدون في مقدمته هذا المعني أفضل تصوير حين دعى إلى التدرج في تلقين العلوم للمتعلمين فقال : (اعلم أن تلقين العلوم للمتعلمين إنما يكون مفيدا إذا كان عل التدريج شيئا فشيئا) وهذا التدرج يمر بثلاث مراحل : تبدأ الاولى بعرض اصول الفن المراد تعليمه وتشرح له بإجمال مراعيا في ذلك قوة عقل طالب العلم وإستعداده لتقبل تلك المعارف ، ثم ينتقل المربي في المرحلة الثانية من الأجمال في الشرح إلى البسط والتوسع ويصل في النهاية أي في المرحلة الثالثة إلى عرض دقائق ذلك العلم وبيان ما اعتورته من خلافات وما تفرعت عنه من مسائل وبذلك (تجود ملكته) ، فيفتح له المربي مبهمات ذلك الفن ويطرق معه كل أسراره (فيخلص من الفن وقد إستولى على ملكته)( ) .

وذلك أن الطالب حينما يواجه منذ البداية بتلك المنغلقات (هو حينئذ عاجز عن الفهم والوعي وبعيد عن الإستعداد له ، كلً ذهنه عنها ، وحسب ذلك من صعوبة العلم في نفسه ، فتكاسل عنه وأنحرف عن قبوله وتمادى في هجرانه ، وإنما أتى ذلك من سوء التعليم )( ) .

المطلب الرابع

مراعاة المخاطبين

لئن كانت مراعاة مستوى المخاطبين الذهني والأخلاقي وإتجاهاتهم السياسية والإعتقادية ونحوها ، من الدعائم الأساسية لنجاح مخاطبهم في أداء مهمته فإن هذه المراعاة تكون أوكد بالنسبة للتربية والتعليم .

وسلك الرسول صلى الله عليه وسلم مع أهل قريش أسوة حسنة في هذا الباب. فقد كان عليه السلام ينوي إحداث بعض التغيير في بناء الكعبة إلا أنه عدل عن ذلك (لأن قريشا كانت تعظم أمر الكعبة جدا فخشي صلى الله عليه وسلم أن يظنوا لأجل قربهم بالإسلام أنه غيًر بناءها لينفرد بالفخر عليهم في ذلك)( ) ، وقد سارر بهذا الأمر عليه السلام السيدة عائشة قائلا : (يا عائشة لولا قومك حديث عهدهم .. بكفر ، لنقضت الكعبة فجعلت لها بابين ، بابا يدخل الناس وبابا يخرجون) ، وترجم الإمام البخاري لهذا المعني بقوله : (باب ترك بعض الإختيار مخافة ان بقصر فهم بعض الناس عنه فيقعوا في أشد منه)( ) .

وقد تبلغ هذه المراعاة حدا يصبح معه السكوت عن إنكار منكر ما أمرا ضروريا ظالما يحفظ السامعين أو الناس من الوقوع في أمر أشد نكرا وإذا كان الصمت عن المنكر أكيدا فأكد منه تجنب إثارة أي شبهة( ) حتى لا تحدث بلبلة في النفوس والأذهان.

وإذا أثيرت شبهة رغم إحتياطات المربي فيتوجب الجواب عنها ، وإزالة ما عسى أن تحدثه من غيوم في أذهان السامعين أو تنفثه من ضباب حول صفاء عقيدتهم.

المطلب الخامس

الأخوة الإسلامية

هي رابطة نفسية تورث الشعور العميق بالعاطفة والمحبة والاحترام ، مع كل من تربطك وإياه أواصر العقيدة الإسلامية وركائز الإيمان والتقوى ، فهذا الشعور الأخوي الصادق يولد في نفس المسلم أصدق العواطف النبيلة في اتخاذ مواقف إيجابية من التعاون والإيثار والرحمة والعفو عند المقدرة، واتخاذ مواقف سلبية من الابتعاد عن كل ما يضر بالناس في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم والمساس بكرامتهم ولقد حث الإسلام على هذه الأخوة في الله وبين مقتضياتها وملتزماتها في كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية قال الله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ( ) وقال تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ( ) وقال عليه الصلاة والسلام: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه» رواه البخاري ومسلم، وكان من نتيجة هذه الأخوة والمحبة في الله أن تعامل أفراد المجتمع الإسلامي عبر التاريخ وخلال العصور على أحسن ما تعامل الناس مواساة وإيثارا وتعاونا وتكافلاً.

إذا علم ذلك فما عليكم يا شباب الإسلام إلا أن تلجوا باب الأخوة في الله وتتحقق قلوبكم بمعانيها لتكونوا فيما بينكم رحماء وعلى أعدائكم أقوياء أشداء متأسين برسول الله صلى الله عليه وسلم وبصحابته الكرام الذين وصفهم الله بقوله: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ( ) وبالله التوفيق ( ) .

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض ، وكونوا عباد الله إخوانا ، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يكذبه ولا يحقره ، التقوى ههنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه» رواه مسلم.

أيها المسلمون العمل بهذا الحديث من أعظم الأسباب الموصلة للتآلف بين المسلمين وقلة الشحناء بينهم فالمؤمنون إخوة في النسب أبوهم آدم وأمهم حواء لا يتفاضلون إلا بالتقوى وأخوة في الدين قال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ( ) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك بين أصابعه» رواه البخاري ومسلم ، وقال عليه الصلاة والسلام «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمَّى» رواه البخاري ومسلم.

والتباغض المذموم هو الذي منشؤه التنافس في الدنيا واتباع الأهواء، فأما الحب لله والبغض لله فهو أوثق عرى الإيمان وأحب الأعمال إلى الله ، وقال عليه الصلاة والسلام: «من أحب لله وأبغض لله وأعطى الله ومنع لله فقد استكمل الإيمان» رواه أبو داود والترمذي( ) فيجب عليك أيها المسلم محبة الله ومحبة رسوله ومحبة الصالحين ومحبة ما يحبه الله من الإيمان والعمل الصالح ، لأنك مع من أحببت يوم القيامة كما يجب عليك بغض الكفر والفسوق والمعاصي وبغض الكفرة والمشركين والعصاة والملحدين.

 من فضائل الأخوة في الله ( )

لما كانت الأخوة في الله ملازمة الإيمان مقرونة مع التقوى فقد جعل الله لها من الكرامة والفضل وعلو المنزلة والأجر ما يدفع أبناء الإسلام إلى التحقق بها والحرص عليها عسى أن يكونوا من المؤمنين الأطهار والمتقين الأبرار والأصفياء الأخيار ومن فضائل الأخوة في الله أن المتحابين في الله:

1- تكون وجوههم نورًا ، كما في الأحاديث التي رواها أبو داود، وأحمد النسائي وابن حبان في صحيحه ( ) .

2- أنهم في ظل عرش الله يوم القيامة كما في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ومنهم رجلان تحابا في الله متفق عليه.

3- أن الله يحبهم كما في قصة الذي زار أخا له في قرية لأنه يحبه في الله فأخبره الملك أن الله يحبه كما أحبه فيه رواه مسلم.

4- أن من أحب الله وأحب لله يجد حلاوة الإيمان ولذته كما في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم.

5- أن المحبة لله وفي الله توجب الإيمان الذي يوجب دخول الجنة كما في الحديث الذي رواه مسلم «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم».

6- الأخوة في الله جامعة الإيمان كما قال تعالى: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ  التوبة: 1

المبحث الثانى : البنية التربوية للشخصية المحمدية وعلاقتها بالفكر التربوى

المطلب الأول

القيادة المحمدية وفاعليتها

لا تصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا

وكأننا بهذا الشاعر العربى يلخص الموضوع الذى نريد أن نكتب فيه، فلا يمكن أن يستقيم أمر أمة منظمة إلا إذا توافر لها أمران :

الأول : عقيدة ترسم لها الغايات وتحدد لها المسارات، وتربط بين أفرادها فى وحدة عضوية كلية، وتتيح فرصة التكامل بين جهود أفرادها، فلا ينقصها مجهود فى جانب من جوانب حياتها، وإنما يكمل جهد كل جماعة صغيرة من جماعتها وكل فرد من أفرادها جهد الجماعات الأخرى والأفراد الآخرين.

الثانى : أن توجه هذه الجهود المتكاملة بحيث تضبط العقيدة إيقاع الحياة المجتمعية.

وفى المجتمعات البشرية، لا يستقيم أمر كل إنسان بمفرده، ولا يستقيم أمر جماعة إلا بالتعاون، أما العزلة والانفراد والاستئثار والانطواء، وما ينعطف عليها كلها، فمن أضداد المجتمع والاجتماع وما إليهما، وكل شئ يعمله الإنسان منفردا يمكن أن يتم بشكل أحسن فى ظل التعاون والتآزر، وبتوجيه قيادة نادرة فى تاريخ البشر.

والدارس للسيرة النبوية يستطيع أن يلمس العديد من النماذج والأمثلة التى تؤكد أننا أمام قيادة توافر لها من الكفايات والمهارات والقدرات، ما لم يتوافر لبشر على مر التاريخ البشرى، بحيث تصبح معينا لا ينضب يمكن للإنسان أن يغترف منه ما شاء على طريق بناء الشخصية بناء تربويا إلى أقصى ما يمكن الوصول إليه من السواء.

ولا شك أننا لو تأمنا نماذج القيادة والحكم المختلفة، فسوف نجد أمامنا ثلاثة نمادج : ( ) وكل أولئك كان للرسول صلى الله عليه وسلم الحق فيها : فقد كان له من سلطان الدنيا كل كا للأمير المطلق اليدين فى رعاياه، وكان له من سلطان الآخرة كل ما للنبى الذى يعلم من الغيب ما ليس يعلم المحكومون، وكان له من سلطان الكفاءة والمهابة ما يعترف به بين أتباعه أكفأ كفؤ وأوقر مهيب.

ولكنه لم يشأ إلا أن يكون الرئيس الأكبر بسلطان الصديق الأكبر، بسلطان الحب والرضا والأختيار وفقا لتعبيرات العقاد البصيرة الدقيقة.

كان الرسول أكثر رجل مشاورة للرجال، وكان حب التابعين شرطا عنده من شروط الإمامة فى الحكم، بل فى العبادة، فالإمام المكروه لا ترضى له صلاة.

وكان يدين نفسه بما يدين به أصغر أتباعه، فروى أنه كان فى سفر وأمر أصحابه بإصلاح شاة، فقال رجل يا رسول الله، على دبحها، وقال آخر : على سلخها، وقال آخر : على طبخها، فقال صلى الله عليه وسلم : وعلى جمع الحطب، فقالوا : يارسول الله، نكفيك العمل قال ((علمت أنكم تكفوننى، ولكن أكره أن أتميز عليكم، إن الله سبحانه وتعالى يكره من عبده أن يراه متميزا بين أصحابه)).

وجعل قضاء حوائج الناس أمانا من عذاب الله أو كما قال ((إن الله عبادا اختصهم بحوائج الناس يفزع إليهم الناس فى حوائجهم، أولئك الآمنون من عذاب الله)).

وأوضح ما تكون المهارة القيادة للرسول تلك العلامات المبشرة بعظمة القيادة حتى قبل نزول الوحى، فقد حدث، وهو فى الخامسة والثلاثين من عمره أن رجال قريش أرادوا تجديد بناء البيت العتيق، ولما أتموا من البناء وهم متفقون، اختلفوا حينما ارادوا وضع الحجر الأسود فى موضوعه، لأن أشرف قريش تنافسوا فى ذلك لمكانته المقدسة فى الجاهلية أيضا، وكان الاختلاف الناشئ من التنافس شديدا حتى كاد أن يوقع بينهم حربا تشب نارها عليهم وتقضى على اتفاق كلمتهم، ودام الخلاف أربعة أيام، حتى قال قائلهم، وهو أبو أمية بن المغيرة المخزومى الذى كان أكبر رجال قريش فى السن : يا قوم، لا تختلفوا وحكموا بينكم من ترضون بحكمه ( ) . فقالت قريش: نكل الأمر لأول داخل. وحينما كانوا ينتظرون لذلك، دخل عليهم محمد بن عبد الله الذى سبق لهم أن وصفوه بالأمين، فاستبشروا، فإذا بالحل العبقرى يأتى على يديه.

فعندما علم بالمشكلة منهم بسط رداءه . وقال: ليأخذ رجل من كل قبيلة بناحية من الرداء ففعلوا , ثم وضع الحجر الأسود في الرداء بيده وأمرهم أن يرفعوه إلى ركن الحجر , ففعلوا, وبالتالي اشترك الجميع في رفع الحجر الأسود , ولم يبق هناك تنافس.

وما عرض أمر من معضلات الشقاق بعد الرسالة ولا قبلها إلا أشار فيه بأعدل الأراء , وأدناها إلى السلن والإرضاء

فقد صنع ذلك يوم فضل بالغنائم أناساً من أهل مكه لضعيف إيمانهم على أناس من الأنصار الذين صدقوا الإسلام وثبتوا على الجهاد, فلما غضب المفضولون لم يكن اسرع منه إلى إرضائهم بالحجه التي لا تغلب من يدين بها, بل تريه أنه هو الغالب الكاسب وأنها نصيب منه المفنع الإقناع في وقت واحد . (( أوجدتم يا معشر الأنصار في لعاعه (العاعه: البقيه اليسيره) من الدنيا تالفت بها فوما ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم ؟ ألا ترضون يا معشر النصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحالكم ؟ فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرو لكنت امرءاً من الأنصار , اللهم أرحم الانصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار)) ( ).

وكان الرسول صلى الله عليه وسلم المثل العلى في القوة على الحياة , قوة جعلته لا يأبى أن يعطي غيره كل ما عنده , حتى قال أحدهم : إن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى فاقه , ولكي لا يكون لشئ مما في الحياة سلطان عليه , وليكون له هو كل السلطان عليها , كان شديد الزهد في مادتها , على شدة رغبته في الإحاطة بها وفي معرفة أسرارها , وشوفه إلى غاية الحقيقة من أمرها . بلغ في زهده فيها أن كان في فراشه الذي ينام عليه أدما حشوه ليف , وأنه لم يشبع قط , ولم يطعم خبز الشعير يومين متتاليين , وكان السويق طعام اكلته الكبرى , وكان التمر طعام سائر يومه , وكان الثريد مما لا يكثر له ولا إلى اهله تناوله , ولقد عانى الجوع غير مرة , حتى كان يشد عل بطنه حجرا يكظم به على صيحات معدته . ذلك كان المعروف عنه في طعامه( ).

وكان زهده في اللباس كزهده في الطعام ولم يكن هذا الزهد , ولا هذه الرغبة عن الدنيا تقشفا للتقشف , فقد جاء في القرآن الكريم  كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ( ), وجاء  وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ( ) , لكن محمدا اراد أن يضرب للناس المثل الأعلى في القوة على الحياة , قوة لا يتطرق إليها ضعف , ولا يستعبد صاحبها متاع او مال أو سلطان أو اي مما يجعل لغير الله عليه سيادة( ) .

وكان من مقومات قيادته وإدارته شئون المسلمين , تواضع تواترت الأخبار المتعددة بها , فعن إن أبي أوفي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يأنف ولا يستكبر أن يمشي مع الرملة والمسكين والعبد حتى يقضي له حاجته ( ) وعن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمر بالصبيان فيسلم عليهم( ).

وعن سهل بن حنيف قال: كان صلى الله عليه وسلم يأتي الضعفاء من المسلمين يزورهم و يعود مرضاهم ويشهد جنائزهم( ) .

وكان لحلمه وفدرته على دفع السيئه بالحسنه أثرهما في إمالة القلوب إلى دعوة الحق , فهذا زيد بن سعنة , قال انه ذهب إلى رسول الله صلى الله علية وسلم , فقلت له يا محمد . هل لك أن تبيعني تمرا- معلوما لي- فباعني فاعطيته ثمانين مثقالا من ذهب , فلما حل الأجل اتيته فأخذت بمجامع قميصه وردائه وهو في جنازة مع أصحابه ونظرت إليه بوجه غليظ , وقلت له يا محمد ألا تقضيني حقي ؟ فوالله ما علمتكم بني عبد المطلب إلا مطلاً (من المماطلة) ونظرت غلى عمر وعيناه تدوران في وجهه , ثم رماني بصره فقال يا عدو الله أتقول لرسول الله صلى الله عليه ةسلم ما أسمع, وتصنع به ما ارى؟ فلولا أحاذر لومه لضربت بسيفي رأسك.

حدث هذا ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى عمر في سكون وتؤدة, انا وهو كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر , أن تأمرني بحسن الأداء , وتأمره بحسن التباعة . أذهب به يا عمر فإقضه حقه ورد عشرين صاعا من تمر مكان ما روعته . فذهب بي عمر فأطاني حقي وزادني عشرين صاعا , وقال ما دعاك أن فعلت ما فعلت وقلت ما قلت؟ قلت يا عمر , لم يكن من علامات النبوة شئ إلا عرفته في وجه الني صلى الله عليه وسلم حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أخبرهما منه : يسبق حلمه جهله , ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلما , وقد خبرتهما , فأشهدك يا عمر أني قد رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا( ) .

وهكذا حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على أن يقدم دائما النموذج والقدوة على أهمية التأخي بين الناس , ولعل هذا ولعل هذا ما دعى كاتبه مثل كارين أرمسترونج أن تقر بأن هذا الرجل الذي كان أعداؤه يرتعدون خوفا منه , كان يحظي بحب عميق بين أفراد الأمة , والتي كانت , رغم الخطر الدائم الذي كانت تواجهه تمثل مجتمعا ينعم بسعادة غامرة, فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يرفض أن يقيم فجوة من الأعتبارات الشكلية او الرسمية بينه وبين غيره من المسلمين , وكان يكره ان يخاطبه أحد بألقاب التشريف الطنانه, وكثيرا ما كان يشاهد هو جالس على على سجيته ودون تكلف على الأرض في المسجد( ) .

وتختار أرمسترونج جانبا انسانيا على درجة عالية من الأهمية دلالة على قدرة النبي الفائقه على التعامل مع المسلمين بكل ما يمكن تصوره من حنو وعطف , مما كان لا بد معه ان ينقادوا إلى ما يقول ويتمثلوا ما يفعل , وهذا الجانب هو المتعلق بمعاملة الحيوان , إذ تشير كاتبتنا أنه كان محبا للحيوان , إذا رأى قطة نائمة على بردته تركها وكره ان يقلقها . وقد قيل أن أحد معايير تقدم المجتمع هو موقفه من الحيوان , وجميع الأديان تحث الناس على حب العالم الطبيعي وإحترامه , وكان محمد يحاول تعليم المسلمين هذا السلوك , ولقد حذر وصم الحيوانات وصما يتسبب في إيلامها , وحظر تنظيم مسابقات إقتتال الحيوان , وجاء في الئر أن رجلا دخل الجنة لأنه سقى كلبا كان يعاني من شدة العطش.

إن هذا يين بالفرق الجوهري بين صاحب الاقوال وصاحب الأعمال , فالجمهرة الكبرى من المصلحين ولزعماء والمفكرين الذين تمتلئ بهم صفحات التاريخ – كما سبق أن اشرنا , وبما غلب عليهم القول والحديث والنصح والإرشاد , لكننا نجد الرسول صلى الله عليه وسلم ربما سلك قبل ان يعظ , وعمل ربما قبل ان ينبه , وطبق قبل أن يوجهه ويشير , والحق أن هذه سمة يختص بها الأنبياء لو إقتصرت على إلقاء المواعظ والنصائح دون ان يكافحو في سبيل إنهاض بني الإنسان وتقويم أخلاقهم ما استطاع أحد ان يفهم الحاجه إلى الرسالة والرسل , لأن المواعظ والحكم تجئ على ألسنة العلماء ممن يدعوا الرسالة , وفي بعض ما قالوه يرتفع إلى ذروة من الحكمة والرقي ولكن الإنتفاع بالأقوال- وحدها- قليل. أما الأعمال فمحك إختبار النجاح , والقاعدة في معرفة إختيار الهداة هي الأعمال , إذ لا دليل على أن الإنسان يستشعر ما يدعو غليه من الفضائل إلا اتاصفه التام بما يقول( ) .

وقد نجح الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه كان هو النموذج الذي يدعوا إليه من الفضائل , وذد بعث كل رسول ممن تقدموا محمدا لتهذيب معشره فحسب , فكان مثل هؤلاء كمثل المصابيح الي توضع كل منها في غرفة لاتضئ سواها , أما محمد فقد جاء لتهذيب الإنسانية , وتنمية الفطرة الصحيحه وإستخدام مهاراتهم وقدراتهم فأمتلأت حياته الكريمة بالمثل الصالحة لهذا التهذيب العام.

ومن هنا فأنه صلى الله عليه وسلم لم بقم نفسه ملكا على يثرب عندما بدأ يقيم دولة المسلمين , كما اراد له المتحمسون من انصاره , ولم يف نفسه عن العمل , ولكنه خرج بنفسه ليتعلم الزراعه بعد أن تجاوز الثالثة والخمسين , وهي مهنة جديدة غريبة عليه , وطلب النبي من النساء أن يعملن اسضاً كما يعمل الرجال , فخرج كثير منهن , حتى اللوائي تعودن أن يعشن في مكة من قبل , ناعمات مستغنيات وراء جدران بيوتهن , وكان الرسول صلى الله عليه وسلم , وهو يعمل في الحقول بين الرجال والنساء يوصي الرجال أن يخففوا عن النساء عبء العمل , ولقد شاهد اسماء بنت ابي بكر تعمل وتثقل راسها بما تحمله اثناء العنل في الحقل( ) .

وإذا كنا قد سقنا أمثلة على أخشوشان الرسول صلى الله عليه وسلم , فمن الضروري التأكيد على أن مثل هذا السلوك لم يكن فعل من لا يجد , بل على العكس , فلو فتحت إلى بيوت هذا النبي نافذة تطل على بحبوحة الحياة الرغدة, لإستمتع واكتنز وإستمتع نسوته وابتهجن . لقد كان قادرا على أن من المال الذي يمر به ويحكم فيه , ما يشاء , لو يشاء , لكن هذا النبي السمح , كان فوق التطلع إلى اللذات الصغيره , لأن عيناه ترمقان هدفاً اسمى ولو سيقت إليه خزائن الأرض لفكر – قبل كل شئ - في إشباع نهم الناس منها( ) .

عن إبي ذر قال : كنت امشي مع النبي صلي الله وعليه في حرًة المدينة فإستقبلنا أحد فقال : با ابا ذر , قلت : لبيك يا رسول الله . قال : ما يسرني أن عندي مثل أحد ذهبا , تمضى على ثلاثة وعندي منه دينار – إلا شيئا لرضده لدين – إلا أن اقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا , عن يمينه وعن شماله ومن خلفه . وقليل ما هم( ) .

ومع ما كان عليه الصلاة والسلام من توااضع كريم غير ذليل , إلا انه ذا هيبة في القلوب أشد ما تكون هيئة الرجل الذي أختاره الله رسولا للعالمين, وما كان تواضعه إلا لما يعلمه من من فرط هيبته , فليلطفها بذلك التواضع , بل أنها تبعا من هيئة واحدة , فهما متاخيتان , بل أنه لا يتواضع هذا التواضع إلا من يكون قويا في نفسه.

ولقد وصف الواصفون مجلس النبي صلى الله عليه وسلم بين صحابته بما يدل على عظيم مهابته , وقوة وقاره , وسمته , فقد كان مجلسه صلى الله عليه وسلم يحفه الوقار , لا يتكلمون إلا أذن في القول , فإذا صمت لا يخرجون من قوله , ولا يبعدون عن إرادته , ولكن في تواضع أطمئنان , وإن اخبار هيبته في مبدأ البعث لها صور ووقائع , ولكن ما كان صلى الله عليه وسلم يسلط هذه الهيبة التي تفرض صاحبها إلا نادرا , لتكون إستجابة الدعوة عن الإقتناع المجرد الذي لا يدخله رهبة ولا ترغيب إلا ما يكون من رضا الله – تعالى- يوم القيامة( ) .

المطلب الثانى

تكوين الرجال

وإذا كان لابد لتربية الأمة من قيادة مؤمنة واعية توجه وتنظم وترعى وترشد وتعين وتعلم، فإن ما يكمل المسألة هو أن تكون بجوار هذه القيادة مجموعة من النبى البشرية أحسن تكوينها وربيت على المبادئ نفسها التى يبشر بها القائد الرسول.

وكان من الطبيعى أن يسعى الرسول فى خطوات تربيته الأولى لهذا النفر من البشر كما مر بنا فى الجزاء الخاص بالدعوة أن يقرأوا القرآن الكريم ويتعلموه، فهو دستور الحياة الإسلامية، وما كان على الرسول الكريم إلا أن يستجيب لتوجيه المولى عز وجل :  ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ( )، وقوله :  إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ  ( ) ، وهو توجيه محدد المعالم، فكان يطبقه تطبيقا دقيقا، فى حكمة النبيين وسلوك المرسلين، يتفرس الرجال ويعرض عليهم الإسلام، ويحاول ما استطاع إلى بلوغ الغرض مختلف السبل، ولا يألو جهدا ولا يقصر عن غاية، فى وداعة عهدها أهل مكة فيه منذ تطلعت إليه أنظارهم ( ) .

والتربية على يد الرسول صلى الله عليه وسلم فى مبدئها كانت تتعمق الجذور، وتقيم الأساس الصحيح للبناء، حماية لفطرة الأنسان حتى يظل كيانة الذى خلقه الله عليه بريئا مما يرد من مستنقعات الشرك والوثنية فى شتى صورها وتعدد مظاهرها. وقد عنيت التربية أول ما عنيت برد الإنسان إلى فطرته، وتركيز الإيمان فى قلبه مبرأ، وتكوين العقيدة السليمة التى يقوم عليها بناء الإسلام الشامخ الذى شاء الله له أن يكون خاتم الرسالات وأن يكون رسوله صلى الله عليه وسلم خاتم المرسلين.

واستطاع الرسول صلى الله عليه وسلم بتربيته للرعيل الأول من المسلمين أن يتغلغل الإيمان بالرسالة والمغالاة بصاحبها إلى حد ينسى الإنسان معه نفسه، فهو عن حب واقتناع، لا من تكليف ورهبة يفدى الرسالة وصاحبها بالنفس والنفيس، عن عبد الله بن هشام قال : كنا مع النبى عليه الصلاة والسلام، وهو آخذ بيد عمر، فقال عمر: يا رسول الله ، لأنت أحب إلى من كل شئ إلا نفسى ! فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : لا والذى نفسى بيده حتى أكون أحب إلىك من نفسك. فقال عمر : فإنه الآن لأنت أحب إلى من نفسى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الآن يا عمر، الآن فقط تم إيمانك ( ) .

وينبه شيخنا الغزالى إلى معنى هام فى هذا الموقف، فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يطلب من الناس أن يقدسول فيه صورة اللحم والدم، ولا أن يرغبوا بنفسه عن أنفسهم ليموتوا كى يحيا، كلا، فمحمد أراد من المؤمنين أن يقدسوا فيه معنى الرسالة، وأن يفتدوا فيه مثلها العالية، وأن يصونوا فى شخصه معالم الحق المنزل ومآثر الرحمة العامة ( ) .

كان ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد الحب له قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم، وقد تغير لونه، يعرف الحزن فى وجهه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما غير لونك؟ فقال : يا رسول الله، ما بى مرض ولا وجع، غير أنى إذا لم أراك لأنك ترفع إلى عليين مع النبيين، وإنى إن دخلت الجنة كنت فى منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخلها لم أراك أبدا، فنزل قوله سبحانه وتعالى :  وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا  ( )

وبقلمه الفذ حقا، يصور طه حسين موقفا بين أخ ظل على شركه وأخته التى عرفت طريق الحق، أما الأخ فهو عبد الله بن سهيل بن عمرو، وأما الأخت فهى سهلة، التى تزوجت أبا حذيفة بن ربيعة، فقد لا حظ الأخ أنه حاول أن يقبل على أخته يضمها ويقبلها، فنفرت منه، ويستغرق فى الحديث وهى ذاهلة عنه، فلما طلب منها تفسيرا كان جوابها أنه مشرك وهى لا تحب مس المشركين، ولما قال لها مستهزئا أن حبهم لمحمد قد بلغ بهم أن صدوا إخوانهم، كان جوابها : لو قد أحببت محمدا واستحببت لدينه لعرفة أن الصد عن الإخوان والآباء فى سبيله ليس شيئا، إن نحب الله ورسوله أكثر مما نحب آباءنا وأمهاتنا وإخواننا، وأكثر مما نحب الدنيا كلها وما فيها من كل شئ وأكثر مما نحب أنفسنا ( ) .

ويشترك زوجها فى المناقشة، ويسمح عبد الله أكثر عن دعوة الحق، ويحدس أبو حذيفة أن شيئا مابدأ يحدث لعبد الله، إنها السكينة، فيبادرهما عبد الله بقواه : إن لكم لألفاظا تديرونها فى أفواهكم وتقرعون بها آذاننا، ولكن لا نحصل لها معنى.

هذه تزعم أنكم تحبون محمدا أكثر مما تحبون آباءكم وأنفسكم، وأنت تسألها هل أنزل الله على قلبى السكينة، ما عسى أن تكون هذه السكينة، وما عسى أن يكون محمد قد صنع بقلوبكم حتى استأثر بها من دون آبائكم وأنفسكم؟، وبرد أبو حذيفة فى صوت رقيق : لم يصنع محمد بقلوبنا إلا أنه نقاها من الغى، وجلآها من الضلال، واستنزل عليها السكينة التى ملأتها أمنا ورضا وثقة وأملا وحالت بينها وبين الخوف والشك والقنوط، و يقرأ :  دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( ) .

وصور التعذيب والتنكيل بمن أقبلوا على الإسلام وثباتهم على إيمانهم وتحملهم ما يصعب على بشر تحمله، إنما هى دلالة على ما يمكن أن يفعله الإيمان بالله فى التربية شخصية تستهين بكل ما يمكن أن تتعرض له من عذاب فى سبيل إعلاء كلمة الله، وقد عرضنا من قبل لأمثلة من هذا، ويصور طه حسين ببيانه الساحر صورة أخرى يصعب أن ننتقى منها أو نلخصها، فلا يكون أمامنا إلا أن نقرأ ماكتب( ) :

((ومر قوم آخرون من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم بحى آخر من أحياء قريش فيرون، ويا هول ما يرون ! نارا عظيمة قد أججت، ويرون رجلا قد شد وثاقه، ويرون قوما يحملونه ويدنونه من النار حتى توشك أن تحيط به، ثم يختطفونه اختطافا فيبعدون به عن النار، ثم يقيمونه أمامهم مشدودا مقيدا، ثم يتقدم أحدهم فيدفع برجله فى صدره دفعة تسقطه إلى ظهره وهم يتضاحكون، ثم يعودون فيفعلون به مثل فعلهم الأول، يقول قائلهم : اذكر آلهتنا بخير، وقع فى محمد سبه ودينه أو لتميتنك ه\ه النار ! فلا يسمعون منه إلا : أشهد أن محمدا رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق. وما يزالون يقدمونه إلى النار ويؤخرونه عنها، ويدفعونه إلى الأرض ثم يردونه قائما حتى يغشى عليه، إنه خباب بن الأرت ، نموذج من عشرات الأمثلة الفذة لتلك الشخصيات التى رباها محمد صلى الله عليه وسلم فكان ما كان من قدرتهم على أن يحملوا الرسالة إلى أرجاء الأرض مبشرين ومنذرين)).

وتجلت روعة تربية الرعيل الأول من المسلمين أيضا فى قدرتهم على خوض المعارك الفكرية، بالحجة والدليل وعفة اللسان والوصف الامين الدقيق وعمق التحليل، فالذين هاجروا لأول مرة إلى الحبشة ينيبون عنهم جعفر بن أبى طالب ليحدث النجاشى، فاستطاع أن يقدم الإسلام بصورة فريدة من خلال أربع خطوط أساسية ( ) :

الأول : عرض فيه كل مساوئ الجاهلية وعورتها بحيث أصبح هذا الدين الذى يدين به وقد قريش المناوئ والذى كان بقيادة الداهية المعروف عمرو بن العاص، تتقزز منه كل نفس بشرية.

الثانى : عرض فيه فى كلمات جامعة قواعد الإسلام العامة وأسسه التى تستهوى كل حصيف عاقل، بله ملك حكيم مجرب محنك. لقد كانت تلك فرصة موتية لجعفر كى ينقلب داعية إلى هذا الدين، بعد أن كان الهدف سياسيا بحتا هو المحافظة على الوجود الإسلامى فى الحبشة.

الثالث : عرض فيه للظلم الماحق الذى نزل بالمسلمين نتيجة تمسكهم بهذا الدين وأبرز وضع المسلمين فى صورة قديسين وحوريين، تنزل بهم ضربات المجرمين الوثنيين وهذه الصورة ذات أثر ساحر فى نفوس النصارى الذين عاشوا مفهوم التضحية والفذاء.

الرابع : حيث الثناء الحصيف المتزن على الملك، الذى لا يحمل المبالغة الكاذبة ولا التجاهل المهين، بل وضعه فى صورة الأمل والملاذ لهؤلاء المستضعفين.

وإمتثالا للأمر بالهجرة إلى المدينة نجد أم سلمة تركب البعير مع زوجها ومعها الصبى الصغير، وأدركهم من كفار قريش رهط من عشيرة أم سلمة يزعمون أنها صاحبتهم، وأنهم أهلها الأدنون، وأن لهم الولاية عليها، وأن حقهم أن يمنعوها منه، وهكذا سولت لهم القدرة والقوة، ولم يردعهم عند ذلك منطق أو عاطفة، ولا دعا هذا أم سلمة أو زوجها يرجعان عن إيمانهما ( ) .

ومنعوها من زوجها، ويرجعوا بها إلى ديارهم ومعها طفلها، فجاءت عشيرة الزوج وأهله الأقربون وهم جميعا من بنى مخزوم فدفعهم الشعور الكاذب والشهوة الشرسة إلى ادعاء الولاية على الطفل، وزعموا أن من العار عليهم أن يعيش فى ديار أهلها، وهكذا كانوا يدفعون العار الذى يزعمون، بالجريمة ويأخذهم الشعور بالشرف الكاذب إلى وهدة الحضيض، تقول أم سلمة راوية ما حدث : فتجاذبوا ابن أبى سلمة بينهم حتى ينقذها من ينقذها ويوصلها إلى المدينة.

إنها التربية الربانية على يد الرسول صلى الله عليه وسلم , التي سمت بالنفس الإنسانية إلى الذروة العليا من السمو , فلم تدع صلة بين المرء وربه غير العمل الصالح والتقوى , وأن يحب الإنسان لأخيه ما يحب لنفسه . لم تبق أصنام ولم يبق كهنة , ولم يبق عرافون , ولم يبق شئ يحول دون أن تسمو الروح الإنسانية لتتصل بالله صلة خير ومعروف , ليكون جزاؤها عند الله أكبر من عملها , أضعافا مضاعفه , إنها الروح , التي هي من أمر ربي , يستطيع الأغنياء ان يعذبوا الجسد ويحولوا بينه وبين ملاذه وشهواته وأن يهلكوه , لكنهم لن يلصوا إلى الروح , مادام صاحبها يريد بها سمو فوق سلطان المادة وفوق سلطان البشر , إنما يجزي الإنسان باعماله يوم تجزى كل نفس بما كسيت , يومئذ لا يجزى والد عن ولده , ولا مولود هو جاز عن والده شيئا , ويومئذ لا ينفع الأغنياء مالهم , ولا الأقوياء قوتهم , ولا المتكلمين كلامهم , إنما هي الأعمال وحدها تشهد لصاحبها أو تشهد عليه( ) .

أنه لمن عجائب هذا الحب للرسول صلى الله عليه وسلم والإسلام أنه أضفى على الوجود كله ثوبا نورانيا شفيفا في وقت كانت الأسرة الشحيحة شعار الحياة , فكان كل واحد يقول : نفسي وغن هلك الناس , فإذا تسامى بعض الشئ قال قبيلتي , وهكذا بلغ التعصب للنفس والقبيلة حدا لا يدرك مداه , فإذا إستطاعت الدعوه الجديده , أن تمهد للحب منذ اول لحظة قاعدة رحبة يزدهر فيها ويمرح فلا شك أنها دعوة الإخاء الإنساني والزمالة العالمية( ) .

ولقد كان من ثمار هذا الحب ان صار محمد صلى الله عليه وسلم لهم قدوة , لا تكون القدوة إلا حيث يكون الحب , وإنهم ليمشون بالإجلال الصادق في أثاره , ويقتبسون بالإعجاب الرائع من انواره , أمتدت إليه أعينهم وأسماعهم فغشيهم الإنبهار والإعجاب به , وأمتدت إليه قلوبهم فغزاها بجليل فعله , وما من شئ أشار به او نبه عليه إلا سارعوا فإمتيلوه حتى لم يعد لنفوسهم حظ من رسولهم.. تلك هي طلائع الدعوة الجديدة .. رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه , لمن يكن من بينهم إنتهازي يعمل لنفسه , او متسلق يرتفع على كاهل غيره , أو مخادع يسعى إلى منصب أو جاه , ولقد كان الوحي المبارك يراوحهم ويغاديهم , ويتعهدم بالتربية على عين الله , فصاروا قادة العالم , ورادة الخير ومعلمي البشرية حقا.

ولما بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم الإستقرار في المدينة بعد الهجرة , بدأ يعمق معاني الأخوة بين المسلمين , وهو القائل : (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا , ثم شبك بين أصابعه) , وكان الرسول صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل أو طالب حاجة أقبل فقال : (إشفعوا فالتؤجروا وليقضي الله على لسان نبيه ما شاء)( ) . وعن النعمان بن بشير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا إشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)( ) .

وأكد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنه كلما عمق المؤمن اخوًته وصدق ذاق حلاوة إيمانه , قال الرسول صلى الله عليه وسلم : (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان : أن يكون الله وسوله أحب إليه مما سواهما , وان يحب المرء لا يحيه إلا في الله , وأن يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن بقذف في النار)( ) .

وابرز كذلك ضرورة قيام الأخوة بين المسلمين على اساس الأمن وعدم الإعتداء , فعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا تحاسدوا ولا تناجشوا , ولا تباغضوا , ولا تدابروا , ولا يبع بعضكم على بيع بعض , وكونوا عباد الله إخوانا , المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره , التقوى هاهنا , ويشير إلى صدره ثلاث مرات , بحسب امرئ من الشر ان يحقر أخاه , كل المسلم على المسلم حرام : دمه وماله , وعرضه)( ) .

وكان المهاجرون ينزلون في دور الأنصار , فلما غنم صلى الله عليه وسلم اموال بني النضير , دعا الأنصار وشكرهم فيما صنعوا مع المهاجرين في إنزالهم إياهم في منازلهم غشراكهم أموالهم , ثم قال : إن أحببتم قسمت ما أفاء الله علي من بني النضير بينكم وبينهم , وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في مساكنكم وأموالكم , وإن أحببتم أعطيتهم وخرجوا من دوركم , فقال سعد بن عبادة (رئيس الخزرج) وسعد بن معاذ (رئيس الأوس) : بل تقسمه بين المهاجرين ويكونون في دورنا كما كانوا , ونادت النصار : رضينا وسلمنا يا رسول الله , فقال صلى الله عليه وسلم : (اللهم ارحم الأنصار وابناء الانصار)( ) .

ولا عجب ان يصف الله الأنصار بالإيثار في قوله سبحانه وتعالى :  وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( ) , فقد قال ابن عمر رض الله عنهما : اهدي لرجل من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم رأس شاة , فقال : إن أخي وعياله احوج إلى هذا منا , فبعثه إليهم , فلم يزل يبعث به واحد إلى الأخر حتى تداولها سبعة أبيات (بيوت) , حتى رجعت إلى أولئك , فنزلت (ويؤثرون على انفسهم).

المطلب الثالث

تكوين الأمة وتأسيس الدولة

الأمة بالنسبة للتربية، كالرحم بالنسبة لتكوين الجنين.

فالرحم البيولوجى هو الحضين الذى تتكون فيه المقومات البيولوجية للإنسان، فإذا ما خرج من رحم أمه لا تتأتى له فرصة التكوين الإنسانى إلا من خلال هذا الرحم الذى هو الأمة، فهى المجال الحيوى الذى يتعلم فيه ومنه عقيدته ويتلقى إيمانه، ويتعلم ممارسة عبادات هذه العقيدة. ومن خلال الأمة وبها تتجسد تعاليم العقيدة.

والدولة هى المنوط بها قيادة العمليات المحتلفة التى تقوم بها الأمة وتنظيمها وتوجيهها ومراقبتها وضبطها وتقديم كل ما يمكن تقديمه مما يعين الأمة وأفرادها على العمل فى الطريق الذى يمكن لدين الحق على الأرض.

وإن قيام الدولة الفاضلة بعمل النبى صلى الله عليه وسلم فى حياته فى المدينة، والحواريين من بعد فيه تطبيق عملى للفضيلة والعدالة والمساوة، وإذهاب روح التفاوت والعنصرية، وبث الإيمان والفذاء، ورجاء ما عند الله تعالى، ويكون ذلك حجة فى الأرض على الذين يدعون أن قيام دولة فاضلة على مبادئ الأخلاق ليس حلما لا يأتى تطبيقه، ولكنه عمل ثبت تحقيقه، وقامت فى الوجود أعلامه، وأن الذين يفرطون فى حقوق الإنسانية يسرفون على الناس فى ظلمهم زاعمين أن الفضيلة والأخلاق علاقات شخصية ولا تصلح أن تكون أساسا للعلاقات الاجتماعية والإنسانية عامة( ).

وإن تقول مقالة الذين يقولون أن الدين هو العلاقة بين العبد وربه، ولكنا نعمم العلاقة بين العبد وربه، فتجعلها عامة شاملة، وليست خاصة بالصوم والصلاة، وإنما علاقة العبد بربه تقتضى الرحمة بعباده، والعدل بينهم أيا كان جنسهم، وأيا كان لونهم، كما قال صلى الله عليه وسلم : لا يؤمن أحدكم حتى يحب الشئ لا يحبه إلا الله، وأن كل عمل خير فيه صلاح الجماعة من عدل يقام، وظلم يرفع، وإعلان مساوة، ورفق بالناس، كل هذا عبادة إذا قصد به وجه الله، فالذين يفصلون بين عبادة الله وحدة، وحسن المعاملة، وتنظيم المعاملات بين الناس، يفصلون بين الدين وما يلزمه، والحقيقة وما يترتب عليها، والمقدمة والنتيجة.

وعندما جاء صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كان بها مسلمون من مهاجرين وأنصار، وكان بها المشركون من ساءر الأوس والخزرج، وكان بين هؤلاء وأولئك ما هو معروف من منازعات وصور شقاق لا حصر لها، ثم كان بها اليهود، يقيم منهم بنو قينقاع فى داخلها، ويقيم بنو قريظة فى فدك، وبنو النضير على مقربة منها، ويهود خيبر فى شمالها. أما المهاجرون والأنصار فقد ألف الدين الجديد بينهم بأوثق رباط، وإن يقيت فى النفس الرسول صلى الله عليه وسلم بعض المحاوف أن تثور البغضاء القديمة بينهم يوما، مما جعله يفقر فى وسيلة للقضاء على كل شبهة من هذا النوع تفكيرا كان له من بعد أثره. أما المشركون من سائر الأوس والخزرج، فقد ألفو أنفسهم بين المسلمين واليهود ضعافا نهكتهم الحروب الماضية فاتجه همهم للوقيعة بين هؤلاء وهؤلاء. وأما اليهود فبادروا بادئ الرأى إلى حسن استقبال الرسول صلى الله عليه وسلم ظنا منهم أن فى مقدورهم استمالته إليهم وإدخاله فى حلفهم والاستعانة به على تأليف الجزيرة العربية حتى تقف فى وجه المسيحية التى أبعدتهم عن أرض فلسطين ( ) .

هنا يبدأ طور جديدمن أطوار حياة الرسول صلى الله عليه وسلم لم يسبقه إليه أحد من الأنبياء والرسول. هنا يبدأ طور السياسى الذى أبدى الرسول فيه من المهارة والمقدرة والحنكة ما يجعل الإنسان يقف دهشا ثم يطأطئ الرأس إجلالا وإكبارا. كان أكبر همه أن يصل بيثرب، موطنه الجديد، إلى وحدة سياسية ونظامية لم تكن معروفة من قبل فى سائر أنحاء الحجاز.

فى بداية الأمر بادرالرسول إلى بناء المسجد، لتظهر فيه شعائر الإسلام التى طالما حوربت، ولتقام فيه الصلوات التى تربط المرء برب العالمين، وتنقى القلوب من أدران الأرض، ودسائس الحياة الدنيا. وتم البنا فى حدود البساطة، فراشة الرمال والحصباء، وسقفه الجريد، وأعمدته الجذوع، وربما أمطرت السماء فأوحلت أرضه، وقد تفلت الكلاب إليه فتغدو وتروح ( ) .

هذا البناء المتواضع الساذج، هو الذى ربى بشرا يسلكون سلوك ملائكة، بشرا استطاعوا أن يؤدبوا الجبابرة، فأصبحوا ملوك الدار الآخرة. فى هذا المسجد أذن الرحمن لنبى يؤم بالقرآن خيرة من آمن به، يتعهدهم بأدب السماء.

إن مكانة المسجد فى المجتمع الإسلامى، تجعله مصدر التوجيه الروحى والمادى، فهو ساحة للعبادة، ومدرسة للعلم، وندوة للأدب، وقد ارتبطت بفريضة الصلاة وصفوفها أخلاق وتقاليد هى لباب الإسلام.

هو رمز لما يكترث له الإسلام أعظم اكتراث ويتشبث به أشد تشبث وهو وصل العباد بربهم وصلا يتجدد مع الزمن، ويتكرر مع آناء الليل والنهار، فلا قيمة لحضارة تذهل عن الإله الواحد، وتجهل اليوم الآخر، وتخلط المعروف بالمنكر.

كانت أهم قيمة بدأ الرسول يرسى دعائمها تؤلف بين القلوبهى الإخاء بحيث تكون رابطة حضارية تجمع بين المسلمين، ومن أعظم صور المؤاخاة فى صدر الإسلام المؤاخاة بين المهاجرين و الأنصار حين قدموا عليهم من مكة، فقد وسعوهم فى منازلهم، وقاموا لهم بحقوق الضيافة، بل بحقوق أخوة الإسلام، أشهرا متعاقبة، إذ نزل كل مهاجر عند شخص من الأوس أو الخزرج. وتحصى كتب السيرة النبوية المهاجرين ومن نزلوا عندهم وأسكنوهم معهم . ويذكر عبد الرحمن بن عوف المهاجر، مدى إكرام سعد بن الربيع النازل عنده له، إذ يقول عنده عرض عليه أن يقاسمه ماله، ولم تهاجر معه زوجته، فعرض عليه أن ينزل له عن إحدى زوجته ! ورأى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يؤكد هذه المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار بعد خمسة أشهر من مقدمه إلى المدينة ليذهب عن المهاجرين وحشة الغربة ويؤنسهم من مفارقة الأهل والعشيرة، فأضاف إلى ما تقتضيه الأخوة العامة بين المسلمين من الحق والمساوة التوارث بين المهاجرين والأنصار، وأخى بذلك بين خمسة وأربعين من المهاجرين وخمسة وأربعين من الأنصار، وقيل بل خمسين وخمسين، فكانوا يتوارثون بهذه المؤاخاة دون القرابات حتى نزلت الآية 75 من سورة الأنفال : ((وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض فى كتاب الله))، فقدمت قرابة ذوى الأرحام على قرابة الإسلام، بل ألغتها فى الميراث إلغاء، وظلت أخوة الإسلام قائمة على الحق والمساوة، وهو ما يجب لكل مسلم على أخيه بحبث يمكن أنيمسى الإسلام دين الإخاء ( ) .

وكان الأساس الاقتصادى من الأسس الهامة التى أقيمت الدولة عليها، فقد كانت المدينة قرية صغيرة يقوم اقتصادأصحابها من العرب على الزراعة، لأن اليهود قد احتكروا فيها التجارة والصناعة، ولذلك نستطيع أن ندرك أن ثروة الأوس والخزرج كانت محدودة، وأنه كان لابد من العمل على تنظيم الحياة فى هذا المجتمع تنظيما يجعل معيشة أهله الأصليين والوافدين عليهم عيشة ميسرة بحيث يتيسر الرزق لهم جميعا، وبحيث لا يكون وجود المهاجرين عبئا ثقيلا على الأنصار، خاصة وقد ارتفعت همهمة من قبائل اليهود، أن محمد قد جاء بعدد من الرجال والنساء لا يعملون شيئا، وإنما يثقلون على أهل البلد، ويقاسمونهم الطعام والرزق بلا مقابل، ولذلك كان من أول توجيهات الرسول صلى الله عليه وسلم للمسلمين جميعا هو ضرورة النزول إلى ميادين العمل المختلفة كسبا للرزق الحلال، وله أحاديث كثيرة تحث على العمل ( ) .

وقد سارع المهاجرون إلى العمل لكسب قوتهم، والحق أنهم جميعا كانوا لا يعرفون كيف يكسبون القوت فى يثرب إلا من الزراعة غالبا، لكن أهل مكة لا عهد لهم بالزراعة، ولكنهم أخذوا يتعلمون كيف يمسكون بالفأس ويضربون به الأرض ويلقون البذر ويستنبتون الحقول ويجرون فيها الماء ووجدوا من فلاحى يثرب عونا كبيرا ( ).

وروى عن أم المؤمنين عائشة قولها : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عمال أنفسهم، وكان لهم أرواح، فقيل لهم : لو اغتسلتم ( ) ، أى كانت لهم روائح فيها شئ من أثر العراق والعمل، ولذا نصحوا بالاستحمام.

على أن المساحة المزروعة من حقول يثرب لم تكن تكفى كل هذا العدد، فطالب الرسول صلى الله عليه وسلم من صحبه الأغنياء الذين هاجروا بأموالهم، أن يشتروا الأرض القابلة للزرع فيستصلحوها لتنتج من الثمرات ما يقيم ميزان الحياة الاقتصادية بعد تدفق عدد كبير من المهاجرين. وهكذا وجد عدد آخر من المهاجرين عملا فىالحقول الجديدة. وسالت الأموال تنعش السوق والحياة الاقتصادية فى يثرب، وكان من بين المهاجرين عدد كبير من التجار الحاذقين الأغنياء، فاندفعوا يستثمرون أموالهم لا فى الأرض وحدها بل فى التجارة أيضا.

بعد ذلك وضع النبي صلى الله عليه وسلم دستورا لتنظيم الحياة العامة في المدينة، وتحديد العلاقات بينها وبين جيرانها، ويدل هذا الدستور على مقدرة فائقة من الناحية التشريعية، وعلى علم كبير بأحوال الناس وفهم لظروفهم، وقد عرف هذا الدستور بالصحيفة، ولا نكاد نعرف من قبل دولة قامت منذ أول أمرها على أساس دستور مكتوب غير هذه الدولة الإسلامية، فإنما تقوم الدول أولا، ثم يتطور أمرها إلى وضع دستور، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم ما كاد يستقر في المدينة وما كاد العام الأول من هجرته إليها ينتهى، حتى كتب هذه الصحيفة التي جعل طرفها الأول المهاجرين والطرف الثاني الأنصار، وهم الأوس والخزرج، والطف الثالث اليهود من أهل يثرب ، وهذه الصحيفة مهمة جدا لأنها حددت شكل الدولة الإسلامية، وكذلك هي مهمة لفهم الحوادث التي نشأت بعدها.

فإذا ما استقرأنا المعالم الرئيسية للوثيقة فسوف نجد أن القسم الأول منها يتميز بتعميق الأخوة وإذابة الفوارق وإشعارهم أنهم أمة واحدة من دون الناس يتعاطفون بعضهم مع بعض ويتآلفون في حياتهم، ويتحمل كل بطن منهم نفقته ومسؤولياته المادية والأسرية بما فيه من الدين والدية، إلا إذا كانت هناك حاجة تستدعى تجمع الأطراف والبطون من المهاجرين والأنصار لإنقاذ أخ لهم، وإلى هذا تشير فقرة (12).

والفقرة الثانية وضحت حقوق اليهود الداخلية في المعاهدة، وأعلنت أنه لا يجوز لهم مساندة بعض المسلمين دون بعض، لأنهم أمة واحدة، وأنهم يتحملون بالتساوى ما نزل بهم وقت الحرب في سبيل الله، وكذلك بينت أنه لا يجوز لهم أن يجمعوا أحدا من قريش أو يحفظوا ماله له. وبذلك تكون المعاهدة قد قطعت عليهم الأمل في تفريق جماعة المسلمين، وحالت بينهم وبين موالاة قريش .

والقسم الثاني من المعاهدة تناول التنظيم الداخلي للأمة بالنسبة للأفراد وتحمل التبعات وإقرار شخصية الأمة، فأقر حرية الأديان، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، وحملت المعاهدة الأطراف الملتزمين بها نفقات الحرب على حد سواء..المؤمنين منهم واليهود. وأما في حالة السلم فكل طائفة تنفق على نفسها. وأوجبت النصرة لمن يعتدى عليه من أهل المعاهدة جميعا، كما أوجبت عليهم النصح والتناصح فيما بينهم، وجعلت المدينة حرما آمنا، وجعلت اليهود موالين للمسلمين، وبذلك وحدت المعاهدة صفوف الأمة في مواجهة العدو، حيث حملت الجميع نفقات الحرب معه .

وهكذا نجد أن الصحيفة الدستور قد أعطت صفة للجماعة الإسلامية، فقد قررت أن المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم أمة واحدة من دون الناس، وكلمة الأمة هنا ليست اسما للجماعة العربية القديمة التي تربطها رابطة النسب، بل هي تدل على الجماعة بالمعنى المطلق، وبهذا التقرير ألغى النبي الحدود القبلية، أو على الأقل لم يجعل لها وجودا رسميا بالنسبة للدولة، أو بلفظ آخر ارتفع هو عن المستوى القبلي المحدود. وبهذا أصبح الإسلام ملكا لمن دخل فيه، فدخلت بناء على هذه القاعدة شعوب كثيرة في الإسلام دون أن يضع الرسول صلى الله عليه وسلم أمامها عقبات تحول بينها وبين الاشتراك في حياة العالم الإسلامي، وهذا المبدأ مرن جدا ومرونته هي التي كفت المسلمين في العصور الوسطى كثيرا من الشرور وكفلت للإسلام دائما حيوية جديدة وسيوفا تدافع عنه، وهذه الفكرة كانت جديدة بالنسبة للعالم اليوناني والروماني القديم. وللأمة في هذه الصحيفة صبغة دينية أيضا، فهي جماعة الله التي ترعى مبادئ الإسلام ومبادئ حماية الجار ونصرة المظلوم، والله هو الشهيد الذي يشرف عليها، ومحمد يشرف عليها باسمه، فالإيمان هو رباط الاتحاد، والمؤمنون هم ممثلو معناه، وهم لذلك أول من يجب عليهم الوفاء لهذا الاتحاد، وهم في الوقت نفسه أول من يتمتع بالحقوق التي يخولها لهم .

والأمة برغم أنها ضمت كل طوائف المدينة، فإنها لم تكن تتكون من أفراد وإنما كانت تتكون من جماعات، فالفرد لا ينتمى إلى الأمة إلا عن طريق العشيرة والقبيلة، فقد جاء في الصحيفة أن تبقى القبائل كما هي وأن تدخل في الأمة كما هي، وبذلك بقى التشكيل الإجتماعي القبلي كما هو، ومع أن الإسلام أنكر نظريا فكرة امتيازات المجتمع الوثني في العصر الجاهلي، إلا أن نظام القبيلة بقوته الداخلية وأسلوبه في معاملة الغرباء، كان أمرا مفيدا بحيث لم يكن بالإمكان نبذه أو الاستغناء عنه. وكذلك ترك رؤساء القبائل كما هم ولم يحل محلهم موظفون دينيون .

المطلب الرابع : البناء الأسرى

ليس من شك أن الأسرة لبنة من لبنات الأمة ، التى تتكون من مجموعة أسر يرتبط بعضها ببعض ، ومن الطبيعى أن البناء المكون من لبنات يأخد ما لهذه اللبنات من قوة أو ضعف ، فكلما كانت اللبنات قوية ذات تماسك ومناعة ، كانت الأمة المكونة منها كذلك ، قوية ذات تماسك ومناعة وكلما كانت اللبنات ذات ضعف وانحلال ، كانت الأمة كذلك ، ذات ضعف وانحلال . ومن هنا كانت العناية بتكوين الأسرة و تقويتها من أهم ما يجب على المصلحين رعايته و أخذ الطريق إليه، و لا يكون ذلك إلا بتوخي المبادئ القوية التي يشاد عليها صرح الأسرة، و تضمن بقاءها و نموها، قوية مثمرة، ثم يقود الهيمنة على تلك المبادئ و مراقبة تنفيذها( ).

و من هنا فقد حرص الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقدم للمسلمين نموذجاً من خلال تلك الأسرة التي كونها بدءا بزواجه من السيدة خديجة رضي الله عنها حتى وافته المنية.

كانت هذه الأسرة النبوية مزرعة لاستنبات العديد من القيم و الأساليب التي يكفل العمل بها، الإطمئنان إلى حد كبير إلى أننا قد أرسينا دعائم شخصية إسلامية على أعلى ما يمكن تصوره من سلامة البنيان و صحة الأساسات ، و قوة الأركان.

و مجئ هذه القضية في نهاية الفصل الحالي لا نقصد به ترتيبا من حيث الأهمية، فالحق الذي يجب أن يقال أن كثيراً من القضايا التي عرضنا لها في هذا الفصل لا تكاد تتفاضل فيما بينها.

و نحن إذ نعرض لأسرة النبي صلى الله عليه وسلم ، لا بد لنا أن نعرج على هذا اللغط الذي حرص الكثيرون من المبشرين على إثارته حول الرسول الكريم، و إن كنا سنحاول بقد المستطاع ألا نتطرق لتفاصيل حتى لا يخرج بنا الحديث عن الغرض الأساسي لتناول مثل هذه القضية في كتاب مقصده الأساسي هو التربية.

و هنا نجد أنه يندر أن يطرق خصوم الإسلام موضوع الزواج دون أن يعرجوا منه إلى زواج النبي صلى الله عليه وسلم و يتذرعوا إلى محاولة النيل من شخصه الكريم، و التشكيك من ثم في دعوته المباركة، و دينه القويم، و أي صورة تغنيهم في هذا الغرض الأثيم كما تغنيهم صورة الرجل الشهوان الغارق في لذات الجسد العازف في معيشته البيتية و رسالته العامة عن عفاف القلب و الروح( ).

وليس هناك من تهافت يمكن أن يكون عليه الظن مما يقدمه المستشرقون في هذا الشأن، فلا حجة لدينا على صدق رسالة نبينا الكريم أصدق من سيرته في زواجه و في إختيار زوجاته، و ليس للنبوة من آية أشرف من آيتها في معيشة نبي الإسلام من مطلع حياته إلى يوم وفاته.

فما الذي يفعله الرجل الشهوان الغارق في لذات الجسد إذا بلغ من المكانة و السلطان ما بلغه محمد بين قومه؟ لم يكن عسيراً عليه أن يجمع إليه أجمل بنات العرب و أفتن جواري الفرس و الروم على تخوم الجزيرة العربية. و لم يكن عسيراً عليه أن يوفر لنفسه و لأهله من الطعام و الكساء و الزينة ما لم يتوافر لسيد من سادات الجزيرة في زمانه، فهل فعل محمد ذلك بعد نجاحه؟ هل فعل محمد ذلك في مطلع حياته؟ كلا ، لم يفعله قط، بل فعل نقيضه، و كاد أن يفقد زوجاته لشكايتهن من شظف العيش في داره ( ).

هذا و يمكن تقسيم حياة النبي صلى الله عليه وسلم الأسرية إلى أربع فترات( )

الفترة الأولى: كان أعزب حتى سن الخامسة و العشرين.

الفترة الثانية: عاش مع زوجة واحدة من الخامسة و العشرين حتى الثالثة والخمسين.

الفترة الثالثة: تزوجه عدة زوجات بين الخامسة و الخمسين و الستين.

الفترة الرابعة: لم يتزوج من الستين، إلى أن لحق بالرفيق الأعلى في الثالثة و الستين.

فالفترة الثالثة هي التي حدث في تعدد، و هي تبدأ من السنة الثالثة للهجرة حيث بدأ القتال مع قريش و القبائل العربية الأخرى، فأدى ذلك إلى قتل كثير من الذكور و هم عماد الأسرة.

و بالتالي فإنه ما كان يخشى على رجل قضى حياته حتى الخامسة و الخمسين وهو على خير ما يكون من الطهر و العفاف أن ينغمس بعد ذلك في اللذات. فإذا كانت فتنة النساء لا تؤثر فيه و هو فتى ممتلئ الشباب، فكيف بها تأسره و هو رجل رزين كامل النضج العقلي؟

ثم إن المسألة ليست بكثرة الزوجات أو الإكتفاء بزوجة واحدة دليلاً على سوية النزعة الجنسية، ذلك أن صاحب الزوجات الكثيرات يجمع بينهن قد لا يكون شهواناً، لأن المعول على ما يكون في نفسه من نوع الصلة و الإرتباط بهن، فإن كان ذلك الإرتباط ارتباطاً تعلق بلذة المضاجعة قبل كل شيء، فالرجل شهوان بسبب تعلقه بتلك اللذة، لا بسبب كثرة عدد من في عصمته من النساء ( ). أما إذا كان صاحب الزوجات الكثيرات مرتباطاً بهن برباط لا يقوم على طلب اللذة قبل كل اعتبار، بل يقوم ارتباطه بهن على الأواصر الإنسانية السامية من مودة و رحمة و بر و رعاية و حدب و تكريم للشخصية الآدمية في المرآة ، فالرجل ليس بشهوان لعدم ابتناء صلته بالمرأة على اللذة البهيمية، بصرف النظر عن عدد من في عصمته من النساء.

و بهذا المقياس عينه ننظر إلى صاحب الزوجة الواحدة ، فإن كانت صلته النفسية الباطنة التي تربطه إليها صلة تراحم وإيثار و تكريم للشخصية الآدمية في المرأة، فالرجل ليس بشهوان لعدم ابتناء صلته بالمرأة على اللذة البهيمية، بصرف النظر عن عدد من في عصمته من النساء.

و بهذا المقياس عينه ننظر إلى صاحب الزوجة الواحدة، فإن كانت صلته النفسية الباطنة التي تربطه إليها صلة تراحم و إيثار و تكريم للشخصية الآدمية في المرأة، فالرجل ليس شهواناً بسبب نوع إحساسه و صلته الباطنة بالمرأة عموماً، لا بسبب إقتصاره على امرأة واحدة. أما إذا كان صاحب الزوجة الواحدة يصدر في إرتباطه و تعلقه بها عن عنف طلب اللذة لذات اللذة، فالرجل شهوان بهيم بصرف النظر عن عدم تعدد من تنصرف إليهن و تنصب عليهن شهوته الجامحة من أفراد النساء ( ).

لارتباط إذن بين المظهر و المخبر، فقد يدل المظهر على الشيء و نقيضه، فلا يكفي التعدد إذن أساساً للقول بجموح الشهوة و سيطرتها على الرجل، بل ينبغي أن يلتمس المتلمسون لذلك الحكم أساساً آخر من شواهد حاله، و مجموع سلوكه مع النساء، كثر عددهن أو قل، لأن المعول على نوع الصلة و بواعثها، لا على كثرة العدد أو قلته أو انعدامه.

و إن من يستقرئ حالات الزواج التي قام بها الرسول صلى الله عليه وسلم ، فسوف يلمس كيف أن التعدد كان لإيواء الضعيفات من أزواج المهاجرين اللائي لا مأوى لهن في هذه الغربة التي انقطعن فيها عن أهليهن، و لربط الصلات بينه و بين كبار أصحابه، و لمنع تحكم الوثنيين فيمن تربطهم رابطة نسب من نساء المهاجرين الذين يقتلون أو يموتون أو يرتدون. و قد أشار الله سبحانه و تعالى إلى ذلك في قوله: يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللائي آتيت أجورهن و ما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك و بنات عمك و بنات عماتك و بنات خالك و بنات خالاتك اللاتي هاجرن معك و امرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم و ما ملكت أيمانهم ....( ) .

و يستفاد من هذا النص أن زواج المهاجرات كان للرحم التي تربطه بهن عمومة أو خؤولة، و أن ذلك يشمل قرابته لقريش، فلا يضيعهن عند موت أزواجهن شهداء بل لابد أن يتولى إيواءهن في ظله الظليل ( ).

و يمكن أن نورد فيما يلي أمثلة لبعض الدواعي و الأسباب السياسية التي كمنت وراء بعض زيجات الرسول صلى الله عليه وسلم ، تأليفاً للقلوب عليه، و جمع القبائل حوله:

1. فقد تزوج – صلوات الله عليه – بالسيدة جويرية بنت الحارث سيدة بني المصطلق، و كانت قد أسرت مع قومها و عشيرتها، ثم بعد أن وقعت تحت الأسر أرادت أن تفتدي نفسها، فجاءت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم تستعينه بشيء من المال، فعرض عليها أن يدفع لها الفداء و أن يتزوجها فقبلت ذلك، فقال المسلمون: أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت أيدينا؟ (أي أنهم في الأسر)، فأعتقوا جميع الأسرى منهم، فلما رأى بنو المصطلق هذا النبل والسمو، و هذه الشهامة و المروءة أسلموا جميعاً ، و دخلوا في دين الله و أصبحوا من المؤمنين( ).

2. و كذلك تزوج صلى الله عليه وسلم بالسيدة صفية بنت حيي بن أخطب التي أسرت بعد قتل زوجها في غزوة خيبر فقال لها الرسول الكريم: اختاري، فإن اخترت الإسلام أمسكتك لنفسي، و إن اخترت اليهودية فعسى أن أعتقك فتلحقي بقومك، فقالت يا رسول الله: لقد هويت الإسلام، و صدقت بك قبل أن تدعوني إلى رحلك، و مالي في اليهودية أرب، و مالي فيها ولد و لا أخ، و خيرتني الكفر و الإسلام، فالله و رسوله أحب إلي من العتق، و أن أرجع إلى قومي ( ).

3. و كذلك تزوج صلى الله عليه وسلم بالسيدة أم حبيبة (رملة بنت أبي سفيان)، و أبو سفيان كان في ذلك الحين حامل لواء الشرك، و ألد الأعداء لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، و قد أسلمت ابنته في مكة، ثم هاجرت مع زوجها إلى الحبشة، و هناك مات زوجها، فلما علم الرسول صلى الله عليه وسلم بأمرها ، أعلن أنه يريد أن يتزوجها، و تم ذلك لما عادت إلى المدينة، و لم يعارض أبو سفيان في ذلك، و من هنا تظهر لنا الحكمة في هذا الزواج، فقد كان سبباً لتخفيف الأذى عن الرسول صلى الله عليه وسلم و عن أصحابه المسلمين، سيما بعد أن أصبح بينهما نسب و قرابة، مع أن أبا سفيان كان وقت ذاك من ألد بني أمية خصومه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، و من أشدهم عداء له و للمسلمين ، فكان تزوجته بابنته سبباً لتأليف قلبه و قلب قومه و عشيرته ( ).

و بطبيعة الحال كانت أول أسرة مسلمة هي أسرة الرسول صلى الله عليه وسلم ، حيث آمنت به زوجته الكريمة السيدة خديجة منذ اللحظات الأولى التي اختاره فيها سبحانه و تعالى نبياً، و كذلك علي بن أبي طالب الذي كان صبياً صغيراً ضمه إلى أسرته، فضلاً عن زيد بن حارثة، الذي اختار محمداً بن عبدالله على أبيه و اختار أن يعيش في كنفه صلى الله عليه وسلم رقيقاً، فاجتمع شمل الأسرة الكريمة على الإيمان ، و لقد جاء تاجر اسمه يحيى بن عفيف زائرا مكة ، فوصف ما رآه قائلاً ( ) : جئت زمن الجاهلية إلى مكة، فنزلت على العباس بن عبد المطلب، فلما طلعت الشمس و حلقت في السماء وأنا أنظر إلى الكعبة أقبل شاب فرمى ببصره إلى السماء، ثم استقبل الكعبة ، فقام يستقبلها، فلم يلبث حتى جاء غلام فقام عن يمينه ، فلم يلبث حتى جاءت امرأة فقامت خلفهما، فخر الشاب ساجداً فسجدا معه، فقلت: يا عباس: أمر عظيم، فقال: أتدري من هذا؟ فقلت : لا. فقال: هذا محمد بن عبدالله بن عبد المطلب ابن أخي. أتدري من هذا الغلام؟ قلت: لا. قال : هذا علي بن أبي طالب. أتدري من هذه المرأة التي خلفهما؟ قلت لا أدري. قال: هذه خديجة زوج ابن أخحي. و هذا حدثني أن ربك رب السماوات و الأرض أمر بهذا الذي تراهم عليه. و ايم و الله ما أعلم على ظهر الأرض كلها أحداً على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة، و كانوا الثلاثة المطهرين السابقين إلى الإسلام، و معهم زيد بن حارثة فكان الرابع.

و الحق أن عظمة السيدة خديجة قد تجلت في أنها صاحبة المال الوفير و التجارة الواسعة، هي التي سعت إلى أن يخطبها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم على الرغم مما كان عليه من فقر، ذلك أن تقديرها للرسول كان تقديراً واقعياً دافعاً لها على أن تفكر في شأنه تفكيرا آخر أكبر من كونه عاملاً في مالها يتجرلها فيربح و يربح. إنها عرفت محمداً بما عرفه به قومه: أميناً صدوق الحديث، عزوفاً عن الدنايا، طموحاً لعوالي الأمور، متسامياً بنفسه عن مغامز المروءة، كسوباً للخير، بل هي قد عرفت محمداً أكثر مما عرفه قومه، عرفته عاملاً في مالها و صحبه في سفره غلامها الأمين ميسرة فحدثها عن أخلاق محمد في السفر و العمل، و حدثها عما شهد من دلائل مستقبل هذا الفتى الكريم ( ) .

لقد كان الله – سبحانه و تعالى – حفياً بأم المؤمنين خديجة ، فهي أول من استقبل محمداً يوم البعث حيث جاء يرجف فؤاده، و تضطرب نفسه من شدة الفزع و الروع الذي لحقه عندما نزل الوحي لأول مرة، فما زالت تهدئ من فزعه ، و تطمئن من نفسه، و تذكره بما أنعم الله به عليه من الخلق الكريم و حب الخير، و أن الله لا يضيع أجر المحسنين من أمثاله، فهو لن يتخلى عنه، و بذلك كانت له أول وزيرة حكيمة، تدبر معه الأمر و تصدقه النصح ، و تشحذ من عزيمته، تثبته و تعاونه على تحمل أعباء الرسالة التي أوكلها الله إليه ، و كانت له المحبة المخلصة التي توفر له الهدوء و الراحة و الطمأنينة التي كانت لازمة لنجاحه في تأدية هذه الرسالة ، و تذهب ما به من ضجر و تعب، و تهون عليه ما يقابله من مصاعب و ما يلقاه من عناء المشركين، فكان لا يسمع منهم شيئاً يكرهه من رد عليه و استهزاء به ، و تكذيب له مما كان يؤلمه و يحزنه حتى يفرج الله عنه بفضل رعايتها و عطفها و رجاحة عقلها( ) .

و تجلت عظمة السيدة خديجة زوجة و أمة و إنسانة كذلك في إصرارها على المشاركة في تحمل آلام و مشقة ما تعرض له الرسول صلى الله عليه وسلم طيلة سنوات الحصار الثلاث في مكة. إنها تترك بيتها حيث عاشت طوال حياتها عيشة رغدة بفضل ثروتها الطائلة التي وفرت لها كل وسائل الترف و مكنتها من الإستمتاع بكل ما يمكن للمال أن يحصل عليه من الطيبات التي كانت تجلبها تجارتها الواسعة من إنتاج العراق و فارس و الهند عن طريق رحتلي الشتاء و الصيف إلى اليمن و الشام. خرجت معهم في بداية شيخوختها بعد أن أشرفت على الحادية و الستين من عمرها لتعيش بعيدة عن كل وسائل الراحة التي كانت تتمتع بها في بيتها، و قد استعذبت ذلك دفاعاً عن دينها، و حتى لا تتخلى عن زوجها و حبيبها الذي نعمت بجواره أسعد أيام حياتها، و لم تعبأ بما قد تتعرض له من مشقة، و ما قد يجهد جسمها الضعيف من المتاعب، و ما يقابلها من مرارة الحرمان و قسوة الطبيعة حباً في الإسهام في نشر دين الوحدانية( ).

ولا يتسع المقام للحديث عن بقية زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولكننا سنكتفي بأمثلة لبعضهن، من ذلك السيدة عائشة رضي الله عنها ، إذ كان حسب عائشة أن تكون ابنة الصاحب الوفي الكريم، ليفتح لها الرسول صلى الله عليه وسلم من دنياه موصد الأبواب، لكنها كانت إلى جانب هذه البنوة، ذات لطف آسر و ذكاء لماح و صبا غض نضير ( ).

ولم تدهش مكة حين أعلن نبأ المصاهرة بين أعز صاحبين و أوفى صديقين، بل استقبلته كما تستقبل أمراً طبيعياً، ولم يجد فيها أي رجل من أعداء الرسول صلى الله عليه وسلم أنفسهم موضعاً لمقال، بل لم يدر بخلد واحد من خصومه الألداء، أن يتخذ من زواج محمد صلى الله عليه وسلم بعائشة مطعناً أو منفذاً للتجريح و الإتهام، و هم الذي لم يتركوا سبيلاً للطعن عليه إلا سلكوه، و لو كان عبئاً و بهتاناً. لكن نفراً من المستشرقين تغافلوا عن فروق الزمان و المكان فسجلوا دهشتهم أن يتم زواج النبي بصبية صغيرة، و هو أمر لم يكن مستنكراً في زمنه، بل ظل قريباً منه حتى وقت قريب في ريفنا المصري، و في بيئات عربية و إسلامية أخرى ، بل و عدد آخر من البيئات الإسلامية.

كانت صغيرة السن، أو طفلة – كما يحلو لذوي الهوى أن ينعتوها – لكنها، بشهادة مستشرق آخر. منذ وطئت قدماها بيت محمد، كان الجميع يحسون وجودها، و لو أن شابة عرفت ما هي مقبلة عليه، لكانت عائشة بنت أبي بكر، فلقد كونت شخصيتها منذ اليوم الأول الذي دخلت فيه دور النبي الملحقة بالمسجد. ( )

الفصل الخامس

خلاصة البحث

 نتائج البحث

كان الإسلام قد أقام نظامه الاجتماعي على قيم تربوية أخلاقية حتى تكاد مهمة الرسالة المحمدية تنحصر في تحقيقها ، يفسر هذا قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((بعثت لأتمم مكارم الأخلاق))( ). فإن الحضارات السالفة والتي ازدهرت قبل ظهور الإسلام عرفت اهتماما بالتربية وعاشت نظما تربوية حيي عليها الناس ردها طويلا من الزمن ، وانتظمت في ظلها حياة بعضهم وشقي بها الجم الغفير منهم.

فالصين والهند وفارس وبلاد ما بين النهرين ومصر واليونان ، وكل البلاد التي قامت فيها حضارات ، عرفت لونا من التربية طبعت حياتها بطابع متميز يعكس فلسفة كل أمة من تلك الأمم.

وجاء الإسلام ليقيم على إنقاض تلك الفلسفات جميعا نظاما تربويا مميزا يحقق للإنسان التوازن الفعال في حياته ، فيعيش متى اتبع تشاريعه ونظمه حياة سوية لا ارتباك فيها ولا هزات مدمرة للجوانب الفكرية والعاطفية فيه.

وكان الرسول محمد صلى الله عليه وسلم هو المربي الأول الذي قام بهذه المهمة الخطيرة منذ اللحظة التي تنزَّل فيها الوحي فأضاء روحه الصافية ، وأضاء وجه الأرض كله كما لم يضيء قط ، فقد أدرك عليه السلام بتوجيه من ربه أهمية التربية وأثرها البالغ في تكوين أمة إسلامية قوية وخيرة ، فوجه الإنظار نحوها. وكان القرآن والسنة هما لحمة وسدى البناء التربوي الإسلامي الذي طبقه الرسول صلى الله عليه وسلم في حياته ، وعاشه الخلفاء الراشدون وغيرهم من الخلفاء والأمراء الصالحين.

وكان عليه الصلاة والسلام يتبع منهج الأسوة الحسنة والقدوة الكريمة ، فكان المثل الأعلى في التربية والتعليم والتوجيه والإرشاد, وفي سلوكه كمعلم وقائد وقاض وزوج وصديق... وقد أشار القرآن بخصاله وفضائله وكريم أخلاقه فقال عز وجل: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ( ) ، وكيف لا يكون كذلك وخلقه القرآن كما جاء في حديث عائشة يرضى برضاه ويسخط بسخطه.

وحتى ينتفع المؤمنون من أخلاق الرسول وعلمه وتوجيهه حرَّضهم القرآن على أن يتخذوه أسوتهم ومثلهم الأكمل ، فقال تعالى:  لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا  ( ) .

وحين حاول النصارى أن ينقصوا من اتباع الهدى المحمدي مدعين أنهم أحباء الله وليسوا في حاجة لاتباع غيره ، فضح القرآن زيفهم وبيَّن لهم المهيع الرشيد ودعاهم لمحبة رسول الله إذ لا خلاص لهم إلا باتباعه فهو صاحب الرسالة الخاتمة، وهو المثل الأعلى الواجب الاتباع ، وسد أمامهم كل سبل الضلال وسلط الضوء على السبيل المستقيم ودعاهم إلى سلوكه:  قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ  ( ) .

وهي دعوة ملزمة لكل من يعمد إلى الانحراف عن التوجيه المحدي متسما فلسفات وضعية ما يزال ملايين البشر يصلون نار جحيمها ويشقون انحرافاتها وتقديراتها الخاطئة كما هي ملزمة لكل من يحاول أن يتستر وراء ما يعرف بالضمير الذي تحاول الاتجاهات الإلحادية إحلاله محل الإيمان أو يتستر وراء صولة العلم وعزة وعبقرية العقل البشري ، وصولا إلى الانسلاخ عن تكاليف الإسلام وبنائه التربوي المتكامل والتحرر من قيوده الأخلاقية التي تكبح جماع النفس الأمارة وتهذب الغرائز البشرية المشبوبة.

فمهما تقدم بالإنسانية الزمن ومهما علا شأنها في مجال الكشوفات والاختراعات وتقدم العلوم ، فإن اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم والتزام أوامره ونواهيه والتحلي والسعي لتطبيق منهجه في الحياة يبقى أمرا ملزما للجميع ، فكل الناس مطالبون بالاقتداء به ، فجميع أقواله وأفعاله وإقراراته سنَّة واجبة الاتباع ، وكل ما خالف ذلك مما يخل بروح الإسلام أو ينتهي إلى إبطال حد من حدوده أو تشويه ركن من أركانه أو تزييف خلق من أخلاقه فهو بدعة يوجب الإسلام مقاومتها وإبطالها حفاظا على سلامة المجتمع من الشبه المخربة لبنائه والتصورات المنافية لتصوراته المستمدة من القرآن والسنة الشريفة.

وقد وعد الله الذين يستمعون إلى الهدي النبوي ويعونه ويتمثلونه ويطبقونه فيتعلقون بخالقهم ويتقربهم إليه بالفضائل والأعمال الصالحة حبا لله وتقوى وصلاحا، وعدهم بمدد منه سديد حيث يصبح حواسهم وجوارحهم التي يعون ويسعون بها لجلب الخير ودفع الشر:

(قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى قال:  من عادني وليا فقد آذنته بالحرب ، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افرترضته عليه ، وما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحببته فكنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته )( ) .

وذلك هوا التوكل البناء القائم على الثقة في عون الله ما استقام العبد على الطريق ، وما استفرغ طاقته في الجد والعمل وإعداد العدة لما عسى أن يطرأ على الموقف من احتمالات غير متوقعة ، وهو توكل درج عليه الرسول صلى الله عليه وسلم في حياته ، وربَّى صحابته وأمته عليه فكانت أمداد السماء تنرى عليهم تنصرهم وتؤزر خطاهم.

ولما ترهلت هذه المعاني في نفوس الأمة نتيجة الجهل بحياة محمد عليه السلام وبهديه وسمته ، ونتيجة طفرات الملذات المادية والنحل الهدمية التي أغرقت العالم الإسلامي بعد أن تسللت إليه في أثواب مختلفة ، ولما خفتت شعلة الإيمان الوقاد في نفوس المسلمين وتحولت تعاليم الإسلام إلى أشباح وشخوص باهتة يأنسون لها من بعيد حتى إذا ما اقتربت منهم وأرادت أن تتحول إلى واقع معاش يلزمهم العمل بها تبرموا وأشاحوا عنها متعللين بأكثر من علة تترجم كلها ضعف إرادة المسلمين وبعدهم المخيف عن التصور الصحيح للإسلام.

وإنما ارتطم العالم الإسلامي في بؤرة هذا الضياع في غياب التربية الإسلامية والجهل بعناصرها وخصائصها وأهدافها.

 المقترحات و التوصيات

كان الرسل جميعا في شخصياتهم قدموا (المثل الأعلى) أو (الشخصية الكاملة) لقومهم ، إلا أن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم يمتاز عن غيره من الرسل بميزة اجتماعية عملية تطبيقية ، ذلك أن الرسل الآخرين ، وهم حقا المثل العليا في حياتهم ، قد أهمل أتباعهم تسجيل حياتهم الفاضلة تسجيلا ثابتا وصادقا وشاملا ، والسبب في ذلك أن ذلك التسجيل لم يكن مباشرا ، وإنما تم بعد أجيال وقرون مما أوجد مرويات ، ولا سيما لدى اليهود الذين نسبوا لكثير من أنبيائهم أعمالا وخلقا لا تليق بإنسان عادي.

محمد صلى الله عليه وسلم ، فهو الإنسان الوحيد في تاريخ الإنسانية الذي سجلت أهم معالم حياته تسجيلا ، استخدمت فيه أصدق الوثائق المعتمدة حتى لدى علماء التاريخ المحدثين ، رغم أن الذين قاموا بتسجيل حياته الكريمة هم أهل بيته ومعاصروه كبارا وشبانا ، ثم جيلا بعد جيل, رواية وكتابة وعملا وسلوكا ، تسجيلا شاملا لأبعاد الشخصية المحمدية في كونه راعيا وتاجرا وزوجا ووالدا ورسولا نبيا ، وداعيا مكافحا صابرا ، ومخططا ومعلما ومرشدا ، ومهاجرا ، ومجاهدا وإماما ، وقاضيا ومسافرا ومسالما ورئيسا للمجتمع والدولة ، وقائدا للجيش.

ما كان الإسلام الذي خاطب الناس بالعقل أن يعتمد في دعوته إلى طاعة الرسول على مجرد (النصوص) ، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم قدم لنا نحن المربين من خلال حياته العملية ، والعديد من اللمحات والنظرات والمواقف ما يشكل في جملته معينا رائعا ، فعلينا أن نغترف منه الكثير في عالم التربية والتعليم ، ما دام القرآن الكريم –كما نؤكد دائما- هو الدستور الأساسي ، وما دام هذا الدستور الأساسي بحاجة إلى قوانين تفصل ما جاء فيه مجملا ، وتحدد مسارات العمل بمقتضاه ، وتشير لكل مجال ما يجب عليه وفقا لذلك.

 المصدر

1. القرآن الكريم

2. السنة النبوية

 المراجع

1. مدخل جديد إلى الفلسفة / د. عبد الرحمن بروى

2. فلسفة التربية فى القرآن الكريم / على حليل مصطفى أبو العبثيين

3. فلسفة التربية اتجاهاتها ومدارتها / محمد منير حرسى

4. أساس الفلسفة / د. توفيق الطويل (أستاذ الفلسفة بكلية الآدب بجامعة القاهرة)

5. أصول التربية / د. أحمد على الفنيش

6. أساليب تدريس التربية الإسلامية لمعلم التربية الإسلامية وصلابها فى الكليات التربية بالوطن العربى والإسلامى / يوسف الجمادى

7. الحديث والمحدثون أو العناية الأمة الإسلامية بالسنة النبوية / محمد محمد أبو زهور (من علماء الأزهر الشريف)

8. معالم السنة النبوية / د. عبد الرحمن عسة (جامعة البترول والمعادين للدراسات الإسلامية)

9. فلسفة التربية الإسلامية / د. عمر التومى الشيبانى

10. فلسفة التربية الإسلامية – دراسة مقارنة بين فلسفة التربية الإسلامية والفلسفات التربوية المعاصرة / د. ماجد عرسان الكلانى

11. فلسفة التربية فى القرآن الكريم / د. وهبه الزهيلى

12. السنة التربوية رؤية تربوية / د. سعيد إسماعيل على – كلية التربية – جامعة عين شمس

13. التربية فى السنة النبوية / أبو لبابة حسين

14. الفقر التربوي الإسلامى / د. محمد حسن العميرة – كلية العلوم التربوية

15. الأخوة الإسلامية وأثارها / عبد الله بن جار الله بن إبراهيم

16. توثيق السنة

17. الحديث النبوى من الوجهة البلاغية / د. عز الدين على السيد

No comments:

Post a Comment